فرنسا.. تحذير لـ1.6 مليون امرأة من خطر نادر لورم سحائي مرتبط بحبوب منع حمل شائعة
يورو تايمز – باريس
تستعد وكالة سلامة الأدوية الفرنسية ANSM لإرسال رسائل توعية مباشرة إلى نحو 1.6 مليون امرأة في فرنسا يستخدمن حبوب منع حمل تحتوي على مادة ديسوجيستريل Désogestrel بجرعة 75 ميكروغرامًا، بعد تأكيد وجود زيادة طفيفة جدًا ولكن مثبتة في خطر الإصابة بالورم السحائي داخل الجمجمة لدى بعض المستخدمات، خصوصًا مع الاستخدام الطويل وفي الأعمار الأكبر.
ومن المقرر أن تبدأ الرسائل اعتبارًا من 14 سبتمبر/أيلول، وتهدف، بحسب السلطات الصحية، إلى إعلام النساء بالخطر من دون إثارة الذعر، إذ يبقى احتمال حدوث الورم منخفضًا جدًا من حيث الأرقام المطلقة.
وتشمل الحبوب المعنية مستحضرات شائعة مثل Cérazette وOptimizette وAntigone وDesopop وElfasette وعددًا من البدائل الجنيسة التي تحتوي على ديسوجيستريل 75 ميكروغرامًا.
ليس «سرطان دماغ»
ويحتاج الخبر إلى تمييز طبي مهم.
فالورم المعني هو méningiome – الورم السحائي، وينشأ في الأغشية التي تحيط بالدماغ والحبل الشوكي، وليس عادة في نسيج الدماغ نفسه.
وتوضح المصادر الطبية أن معظم الأورام السحائية ليست سرطانية وتنمو ببطء، لكنها قد تصبح خطرة بحسب حجمها وموقعها، لأنها يمكن أن تضغط على الدماغ أو الأعصاب أو الأوعية الدموية.
ولهذا اختارت السلطات الفرنسية توسيع نطاق المعلومات المقدمة للمستخدمات رغم ندرة الحالات.
كم يبلغ الخطر فعليًا؟
دراسة EPI-PHARE، التابعة لـANSM والتأمين الصحي الفرنسي، درست بيانات 8391 امرأة خضعن لجراحة بسبب ورم سحائي داخل الجمجمة بين عامي 2020 و2023، وقارنتها بعشرات الآلاف من النساء غير المصابات.
وأظهرت الدراسة وجود زيادة صغيرة في الخطر مرتبطة بالاستخدام الحالي والمطول لحبوب ديسوجيستريل 75 ميكروغرامًا.
وتشير البيانات إلى أن الخطر يصبح أوضح مع الاستعمال لأكثر من خمس سنوات، ويزداد خصوصًا لدى النساء فوق سن 45 عامًا.
كما وجدت الدراسة أن الخطر النسبي يصبح نحو ضعفي المعتاد بعد أكثر من سبع سنوات من الاستخدام.
لكن هذا لا يعني أن واحدة من كل امرأتين ستصاب بالورم؛ فالمعدل الأساسي للمرض منخفض جدًا.
وقدّرت الدراسة أنه، في المتوسط، سُجل ورم سحائي واحد احتاج إلى جراحة بين نحو 67 ألف امرأة تعرضن لديسوجيستريل، بينما يصل التقدير إلى نحو حالة واحدة لكل 17 ألف امرأة عند الاستخدام الذي يتجاوز خمس سنوات.
وفي تحديثات السلامة الأوروبية خلال 2026، قُدر الخطر الإضافي بنحو حالة إضافية واحدة لكل 67,300 مستخدمة لموانع الحمل المعنية.
الخطر يزداد مع المدة والعمر
وتؤكد السلطات أن القضية ليست مرتبطة بمجرد تناول حبة واحدة أو استخدام الدواء لفترة قصيرة.
فدراسة EPI-PHARE لم تجد ارتفاعًا في الخطر لدى من استخدمن ديسوجيستريل لمدة تقل عن عام، باستثناء بعض الحالات التي سبقتها علاجات بهرمونات بروجستينية أخرى معروفة أصلًا بزيادة خطر الورم السحائي.
أما المجموعة التي تحظى باهتمام خاص فهي النساء اللواتي تجاوزن 45 عامًا أو استخدمن وسائل منع الحمل القائمة على ديسوجيستريل لأكثر من خمس سنوات.
ولهذا تطلب ANSM إعادة تقييم وسيلة منع الحمل بصورة منتظمة، وخصوصًا بعد سن 45، بالاشتراك مع الطبيب أو القابلة.
لا تتوقفوا عن الحبوب من دون استشارة
ومن أهم الرسائل التي توجهها السلطات للمستخدمات أن التحذير لا يعني ضرورة التوقف الفوري عن حبوب منع الحمل.
وتقول التوصيات الفرنسية بوضوح إنه لا ينبغي للمرأة إيقاف وسيلة منع الحمل من تلقاء نفسها، لأن ذلك قد يعرضها لحمل غير مخطط له.
بل ينبغي مناقشة الاستمرار أو التغيير مع الطبيب أو طبيب النساء أو القابلة، وفق العمر ومدة الاستخدام والتاريخ الصحي والعلاجات الهرمونية السابقة.
ولا توصي ANSM كذلك بإجراء تصوير بالرنين المغناطيسي MRI لجميع المستخدمات بصورة روتينية بسبب انخفاض الخطر المطلق.
متى يُطلب التصوير بالرنين المغناطيسي؟
توصي ANSM بإجراء تصوير للدماغ في حال ظهور أعراض يمكن أن تشير إلى وجود ورم سحائي.
ومن بين العلامات التي تستدعي الانتباه:
صداع مستمر أو يزداد سوءًا، اضطرابات في الرؤية، ضعف في الذراعين أو الساقين، اضطراب التوازن أو الكلام، فقدان الذاكرة، تشنجات أو نوبات صرع جديدة أو متفاقمة.
وتضيف التوصيات الأوروبية الحديثة علامات أخرى محتملة مثل فقدان السمع أو طنين الأذن وفقدان حاسة الشم.
كما يوصى بإجراء تصوير بالرنين المغناطيسي قبل بدء ديسوجيستريل في حالات معينة إذا كانت المرأة قد استخدمت سابقًا، لأكثر من عام، أنواعًا أخرى من البروجستينات المعروفة بارتفاع خطر الأورام السحائية.
ممنوع الآن عند وجود ورم سحائي حالي أو سابق
وشهد صيف 2026 تطورًا إضافيًا مهمًا.
فبعد مراجعة لجنة السلامة التابعة لوكالة الأدوية الأوروبية EMA، تم تحديث المعلومات الرسمية لموانع الحمل القائمة على ديسوجيستريل وإيتونوجيستريل.
وأصبح وجود ورم سحائي حالي أو تاريخ سابق للإصابة به مانعًا لاستخدام هذه الأدوية.
وإذا اكتُشف ورم سحائي لدى امرأة تستخدم أحد هذه المستحضرات، فإن التوصية الرسمية هي إيقاف العلاج وتوجيهها للتقييم الطبي المتخصص.
كما أضيف الورم السحائي إلى قائمة الآثار الجانبية المحتملة بتواتر غير محدد بسبب ندرة الحالات.
الأمر لا يقتصر على بعض الحبوب
وتتجاوز إجراءات السلامة الجديدة حبوب ديسوجيستريل 75 ميكروغرامًا التي تشملها حملة الرسائل إلى 1.6 مليون امرأة.
فالتحديث الأوروبي يشمل أيضًا أنواعًا من الحبوب المركبة التي تحتوي على ديسوجيستريل مع إيثينيل إستراديول.
كما يشمل وسائل منع حمل تعتمد على إيتونوجيستريل Etonogestrel، وهو مادة مرتبطة بالديسوجيستريل، ومنها غرسة منع الحمل تحت الجلد Nexplanon، إضافة إلى حلقات مهبلية مثل NuvaRing وبعض بدائلها.
لكن حملة المراسلات الواسعة التي أعلنت عنها فرنسا حاليًا تستهدف بصورة خاصة مستخدمات ديسوجيستريل 75 ميكروغرامًا.
ليست كل وسائل منع الحمل الهرمونية تحمل الخطر نفسه
ومن المهم أيضًا عدم تعميم التحذير على جميع وسائل منع الحمل.
فدراسة EPI-PHARE لم تجد ارتفاعًا في خطر الورم السحائي مع وسائل منع الحمل المحتوية على ليفونورجيستريل Levonorgestrel، سواء استُخدم بمفرده أو مع إيثينيل إستراديول.
كما أظهرت دراسات سابقة نتائج مطمئنة بشأن اللولب الهرموني الذي يفرز ليفونورجيستريل.
وفي المقابل، يرتبط عدد من البروجستينات الأخرى بخطر أعلى بكثير من ديسوجيستريل، ومن بينها cyprotérone وchlormadinone وnomégestrol وmédrogestone وmedroxyprogesterone.
ولهذا تصف ANSM خطر ديسوجيستريل بأنه «منخفض جدًا لكنه مثبت».
لماذا 1.6 مليون امرأة الآن؟
ديسوجيستريل واحد من أكثر مكونات منع الحمل الهرموني استخدامًا في فرنسا، ولهذا فإن خطرًا صغيرًا جدًا على المستوى الفردي يصبح قضية للصحة العامة عندما يتعرض له عدد كبير من النساء.
وتقول ANSM إن الهدف من التواصل المباشر هو ضمان أن تعرف النساء أنفسهن بالمعلومة، بدل أن تبقى محصورة في نشرات الأدوية أو بين المهنيين الصحيين.
وكانت الوكالة قد بدأت بالفعل خلال 2025 بإصدار توصيات للأطباء والقابلات، ثم اتخذت السلطات الأوروبية في يوليو 2026 قرارًا بتحديث النشرات والتحذيرات، وتبعته فرنسا بإرسال معلومات السلامة إلى العاملين الصحيين في أغسطس.
والخطوة التالية الآن هي مخاطبة المستخدمات مباشرة.
رسالة تحذير لكن أيضًا رسالة طمأنة
وتحاول السلطات الفرنسية تحقيق توازن واضح: عدم تجاهل علاقة أصبحت مدعومة بالدراسات، وفي الوقت نفسه عدم دفع ملايين النساء إلى التوقف المفاجئ عن وسائل منع الحمل.
فالخطر، وفق كل التقييمات الحالية، نادر للغاية، لكنه يتزايد كلما طالت مدة الاستخدام ومع التقدم في العمر.
ولهذا تتركز التوصية على إعادة تقييم وسيلة منع الحمل دوريًا، معرفة الأعراض التحذيرية، ومناقشة الوضع مع الطبيب أو القابلة بدل اتخاذ قرار فردي بإيقاف العلاج.
