مقالات رئيس التحرير

د. علي الجابري: لا مفر من التفاوض.. لماذا تقود كل السيناريوهات النظام الإيراني الى الطاولة؟

في خضم التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، يبدو المشهد للوهلة الأولى مفتوحاً على إحتمالات متعددة، من الحرب الشاملة الى الاستنزاف الاقتصادي، أو حتى المواجهة المباشرة. لكن عند تفكيك هذه المسارات ببرود استراتيجي ، يتضح ان اختلاف السيناريوهات لا يغيّر النتيجة النهائية: وهي العودة الى طاولة المفاوضات!

فالنظام الايراني يواجه اليوم ضغطاً مركباً، عسكرياً عبر الضربات المباشرة وغير المباشرة، واقتصادياً عبر حصار خانق وعقوبات مستمرة، وسياسياً عبر عزلة دولية وهامش مناورة ضعيف. وهو ما يدفع الى الاعتقاد بأن ليس أمامها سوى التفاوض، مع اختلاف التوقيت والكلفة.

إذا أختار النظام عدم الانخراط في جولة تفاوضية قريبة، فإن أحد ثلاثة مسارات يلوح في الافق. المسار الأول يتمثل في عودة المواجهة العسكرية المباشرة عبر هجوم أمريكي إسرائيلي، وحتى في أفضل سيناريوهات طهران الدفاعية، فإن أي مواجهة واسعة ستنتهي، كما جرت العادة، بالعودة الى طاولة المفاوضات، لكن بعد تكاليف أضافية تدفعها، من الدمار في البنية التحتية مروراً بالاستنزاف الاقتصادي، وليس انتهاءً بتآكل وتدمير القدرات العسكرية.

أما المسار الثاني، فهو استمرار الحصار البحري الخانق دون حرب، وهذا الخيار قد يبدو اقل كلفة على المدى القصير، لكنه في الواقع أشد قسوة على المدى المتوسط. فاستمرار الضغط الاقتصادي والمالي مع تدهور العملة وتراجع القدرة على التصدير، يضع الاقتصاد الايراني أمام مسار انحداري قد يقود في النهاية الى نفس النتيجة، وهي العودة الى التفاوض، ولكن من موقع أكثر ضعفاً.

أما المسار الثالث، فهو المبادرة بالتصعيد من الجانب الايراني، وحتى لو افترضنا -نظرياً- تحقيق نجاح عسكري كبير ضد القوات الامريكية، فإن هذا لا يغير جوهر المشكلة. فإيران في هذه الحالة ستظل محاصرة اقتصادياً ومعزولة مالياً، وغير قادرة على إعادة الاندماج في النظام الدولي والإقليمي دون اتفاق يرفع العقوبات ويعيد فتح قنوات التجارة والاستثمار. أي ان النصر العسكري إن تحقق – وهذا بعيد المنال- لا يتحول تلقائياً الى استقرار سياسي أو اقتصادي.

من هنا تتقاطع كل الطرق عند نقطة واحدة، وهي ان التفاوض ليس خياراً من بين خيارات، بل نتيجة حتمية، والفارق الحقيقي بين كل السيناريوهات التي ذكرنها لا يكمن في النتيجة، بل في حجم الخسائر التي تسبقها، حيث هناك طريق يقود الى المفاوضات عبر حرب ودمار، وآخر عبر استنزاف اقتصادي طويل، وثالث عبر مقامرة عسكرية غير مضمونة النتائج.

ومن هنا نستنتج، ان امام نظام ايران نافذة تفاوضية يمكن ان تختار توقيتها وشروطها النسبية الآن، أو تُجبَر عليها لاحقاً تحت ضغط أكبر وخسائر أعمق! وفي هذا السياق فإن النظام بين خيارين: أما التفاوض المبكر بتكلفة أقل، أو التفاوض المتأخر بثمن اعلى.

وفي النهاية ، يدرك النظام الايراني ان أزمته المعقدة – إن اراد البقاء- لا تحسم ساحة المعركة وحدها، ولا بالعقوبات فقط، بل تُغلق عند طاولة المفاوضات التي لابد أن تأتي، طال الزمن او قصر. ولكن لكل سيناريو ثمن مختلف عن الآخر .

رئيس تحرير صحيفة يورو تايمز السويدية

زر الذهاب إلى الأعلى