آراء

نزار العوصجي: نظام إيران ونقض العهود

كيف تحوّلت المراوغة السياسية إلى أداة نفوذ إقليمي ؟
في عالم السياسة قد تتبدل التحالفات وتتقاطع المصالح وتشتد الخصومات ، لكن تبقى هناك قاعدة أساسية تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار بين الدول : احترام العهود والالتزام بالاتفاقات ، غير أن التجربة العربية مع النظام الإيراني خلال العقود الماضية كشفت نمطًا مختلفًا من إدارة العلاقات ، يقوم على المراوغة السياسية ، والالتفاف على التفاهمات ، واستخدام التفاوض كوسيلة لكسب الوقت لا لحل الأزمات .
لقد تبنى النظام الإيراني منذ قيام الثورة عام 1979 مفهوم “تصدير الثورة”، ولم يبقَ هذا المفهوم حبيس الشعارات الأيديولوجية ، بل تحول إلى استراتيجية نفوذ ممتدة في المنطقة العربية ، ومن خلال الحرس الثوري الإيراني وشبكاته العابرة للحدود ، استطاعت طهران بناء أذرع سياسية وعسكرية داخل عدد من الدول العربية ، مستفيدة من هشاشة بعض الأنظمة والصراعات الداخلية والانقسامات الطائفية .
لقد أدركت دول الخليج العربي مبكرًا خطورة التصعيد المستمر في المنطقة ، ولذلك سعت مرارًا إلى فتح قنوات للحوار مع طهران ، أملاً في بناء علاقات مستقرة تقوم على حسن الجوار واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ، لكن المشكلة التي واجهتها تلك الدول لم تكن في غياب الحوار ، بل في غياب الثقة بنتائج هذا الحوار .
ففي كل جولة تفاوض كانت اللغة الإيرانية تبدو هادئة ومرنة ومليئة برسائل التهدئة ، لكن الواقع الميداني كان يسير في اتجاه معاكس تمامًا ..

وبينما تُرفع شعارات التعاون ، كانت الأذرع التابعة لإيران تتمدد داخل عدد من الدول العربية ، وتواصل ترسيخ نفوذها الأمني والعسكري والسياسي ، وهنا تشكلت لدى كثير من العواصم العربية قناعة راسخة بأن النظام الإيراني لا ينظر إلى المفاوضات باعتبارها التزامًا متبادلًا ، بل باعتبارها مساحة للمناورة وإعادة التموضع وكسب الوقت .
لقد أتقنت طهران عبر سنوات طويلة سياسة “اللف والدوران” في التفاوض ؛ فهي نادرًا ما تقدم مواقف حاسمة أو التزامات واضحة ونهائية ، بل تعتمد غالبًا على اللغة الرمادية ، والتفسيرات المتعددة ، والوعود القابلة لإعادة التأويل بحسب تغير الظروف السياسية ، وهذا الأسلوب منحها قدرة مستمرة على المناورة ، سواء في ملفاتها الإقليمية أو في أزماتها الدولية .
وحين تشتد الضغوط ، تتجه إيران إلى تخفيف التوتر عبر رسائل دبلوماسية ناعمة ، وعندما تتراجع الضغوط تعود تدريجيًا إلى توسيع نفوذها وتحريك أدواتها الإقليمية .
إنها سياسة تقوم على امتصاص الوقت ، واستنزاف خصومها سياسيًا ، وإبقاء الأبواب مفتوحة أمام جميع الاحتمالات دون التزام نهائي يمكن محاسبتها عليه لاحقًا .
وقد ظهر هذا النهج بوضوح في أكثر من ساحة عربية ، ففي لبنان استُخدمت لغة الشراكة السياسية بالتوازي مع ترسيخ واقع السلاح خارج إطار الدولة ، وفي العراق رُفعت شعارات دعم الاستقرار ، بينما استمر تمدد الجماعات المسلحة والنفوذ الموازي لمؤسسات الدولة .
أما في اليمن ، فقد تكررت الدعوات إلى الحلول السياسية في الوقت الذي كانت فيه الجماعات المدعومة من إيران تعزز قدراتها العسكرية وتهدد أمن المنطقة والملاحة الدولية ..

إن أخطر ما في هذه السياسة ليس فقط التدخل بحد ذاته ، بل القدرة على الجمع بين التفاوض والتصعيد في آن واحد ، فبينما يجلس المفاوض الإيراني إلى طاولة الحوار ، تستمر أدوات النفوذ التابعة له في فرض وقائع جديدة على الأرض ، وبهذا تتحول المفاوضات من وسيلة لحل الأزمات إلى غطاء لإدارة الأزمة وإطالة أمدها بما يخدم المشروع الإيراني .
لقد بنت طهران جزءًا كبيرًا من استراتيجيتها الإقليمية على مبدأ “التفاوض بلا حسم”، بحيث يبقى الخصوم في حالة انتظار دائم ، بينما تستثمر هي الوقت لتثبيت مكاسبها السياسية والعسكرية ، ولذلك لم تعد المشكلة في غياب الاتفاقات ، بل في غياب الثقة بقدرة هذه الاتفاقات على الصمود أمام سياسة المراوغة وإعادة التفسير والتنصل التدريجي من الالتزامات .
وفي هذا السياق ، ترى دول الخليج العربي أن أي تقارب حقيقي مع إيران لا يمكن أن ينجح ما لم يتحول احترام السيادة والكف عن التدخل في الشؤون العربية إلى التزام عملي واضح ، لا مجرد تصريحات دبلوماسية قابلة للتبدل بحسب الظروف ، فالتجارب السابقة أظهرت أن المشكلة ليست في نقص اللقاءات السياسية ، بل في الفجوة الكبيرة بين ما يُقال على طاولات التفاوض وما يُنفذ على الأرض ..

ورغم كل ذلك ، يبقى من الضروري التفريق بين النظام الإيراني كمشروع سياسي توسعي ، وبين الشعب الإيراني الذي يمتلك تاريخًا حضاريًا وثقافيًا عريقًا ، فالنقد هنا لا يستهدف الهوية القومية ، بل يركز على سياسات رسمية جعلت من المراوغة السياسية ونقض الالتزامات أداة مركزية لإدارة النفوذ الإقليمي .
لقد أصبحت المنطقة العربية اليوم أكثر إدراكًا لطبيعة هذا النهج ، وأكثر اقتناعًا بأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الوعود المؤقتة أو التهدئات الإعلامية ، بل على التزامات واضحة تُترجم إلى أفعال ملموسة ، فالدول قد تتحمل الخلافات السياسية ، لكنها لا تستطيع بناء مستقبل مستقر مع طرف يجيد إدارة الوقت أكثر مما يجيد احترام العهود ..

باختصار ، هذه هي التجربة التي عاشتها دول عربية عديدة مع النظام الإيراني على مدى عقود ؛ اتفاقات تُوقّع ، ووعود تُقدَّم ، وخطابات تهدئة تُطلق ، ثم ما تلبث الوقائع على الأرض أن تكشف مسارًا مختلفًا قائمًا على المراوغة وكسب الوقت وتوسيع النفوذ عبر أدوات غير مباشرة ، ولهذا لم تعد أزمة المنطقة مع طهران مجرد خلاف سياسي عابر ، بل أزمة ثقة عميقة تراكمت بفعل التجارب المتكررة .
ومن هنا يبرز السؤال الذي تطرحه كثير من العواصم العربية اليوم : إذا كانت دول الجوار ، التي خاضت تجارب مباشرة وطويلة مع النظام الإيراني ، وصلت إلى هذا القدر من الشك تجاه التزاماته وتعهداته ، فكيف يمكن للقوى الكبرى ، وعلى رأسها آمريكا ، أن تبني ثقة استراتيجية مستقرة مع نظام يتهمه خصومه باستمرار استخدام التفاوض كأداة للمناورة وإدارة الوقت أكثر من كونه طريقًا لحلول نهائية وحاسمة ؟
إن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في طبيعة الخلافات السياسية ، بل في الفجوة بين الخطاب والممارسة ، فالثقة في العلاقات الدولية لا تُبنى على التصريحات وحدها ، وإنما على سجل الالتزام واحترام التعهدات وتحويل الاتفاقات إلى سلوك ثابت يمكن التنبؤ به ، وحين يصبح الالتفاف على الالتزامات جزءًا من النهج السياسي ، فإن أي اتفاق مهما بدا قويًا على الورق ، يظل معرضًا للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي ..

زر الذهاب إلى الأعلى