آراء

نزار العوصجي: عندما تتحول الميليشيا إلى دولة!

التطرق إلى أزمة السلطة ومسؤولية ضبط موازن العلاقة مابين دول المنطقة ، يدعونا للحديث بموضوعية ، فالمشكلة الكبرى التي تواجه بعض الدول العربية اليوم ليست في وجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة فحسب ، بل في حالة الاستعلاء السياسي التي دفعت معظم هذه الجماعات إلى التصرف وكأنها الدولة نفسها ، أو ربما أعلى من الدولة وأقوى من مؤسساتها ، وهذه الظاهرة تبدو أكثر وضوحاً في العراق ولبنان واليمن ، حيث برزت جماعات مسلحة تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً يتجاوز في بعض الأحيان نفوذ المؤسسات الرسمية ، الأمر الذي خلق حالة معقدة من ازدواجية السلطة وأضعف قدرة الدولة على ممارسة وظائفها الأساسية ..

يقوم مفهوم الدولة الحديثة ، كما استقر في الفكر السياسي المعاصر ، على مبدأ أساسي يتمثل في احتكار الدولة وحدها لاستخدام القوة المشروعة داخل حدودها ، فالدساتير والقوانين والمؤسسات العسكرية والأمنية لم توجد عبثاً ، بل لضمان أن تكون القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم والأمن الوطني والعلاقات الخارجية خاضعة لسلطة منتخبة ومسؤولة أمام الشعب .
وعندما تنشأ قوى مسلحة تمتلك القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة عن الدولة ، فإن مبدأ السيادة يبدأ بالتآكل تدريجياً ، وتتحول الدولة من مرجعية نهائية إلى أحد الأطراف المتنافسة داخل منظومة السلطة ، وهو وضع يفتح الباب أمام الأزمات السياسية والانقسامات المجتمعية والتدخلات الخارجية ..

إن أخطر ما تفرزه ظاهرة الميليشيات المسلحة ليس مجرد حمل السلاح ، بل إنشاء مراكز قرار موازية للدولة ، فحين تصبح هناك جهة تمتلك السلاح والمال والنفوذ السياسي والإعلامي ، وتتمكن من فرض خياراتها على الحكومات أو تعطيل قراراتها ، فإن الدولة تفقد جزءاً من قدرتها على إدارة شؤونها بصورة مستقلة ، وقد شهدت المنطقة نماذج متعددة لهذا الواقع ، حيث أصبحت أغلب الجماعات المسلحة قادرة على التأثير في تشكيل الحكومات ، أو تعطيل الاستحقاقات الدستورية ، أو فرض أجندات سياسية وأمنية لا تعبر بالضرورة عن التوافق الوطني العام .
وفي هذه الحالة يصبح المواطن أمام سلطة مزدوجة : سلطة دستورية تمتلك الشرعية القانونية ، وسلطة موازية تمتلك أدوات القوة الفعلية ، وهذه المعادلة لا تنتج استقراراً ، بل تؤسس لأزمات مزمنة يصعب معالجتها ..

هنا يأتي السؤال : من يتحمل مسؤولية القرار ؟
في الأنظمة الديمقراطية الطبيعية ، يرتبط القرار بالمسؤولية ، فالحكومة التي تتخذ قراراً خاطئاً يمكن محاسبتها عبر البرلمان أو القضاء أو صناديق الاقتراع ، أما في حالة الجماعات المسلحة، فإن الصورة تختلف تماماً .
فهناك أطراف تمتلك القدرة على التأثير في القرارات الكبرى دون أن تكون خاضعة للمساءلة القانونية ذاتها ، وعندما تترتب على هذه القرارات أزمات اقتصادية أو سياسية أو أمنية ، فإن المواطن هو الذي يتحمل النتائج ، بينما تبقى مراكز القوة الحقيقية بعيدة عن أي محاسبة مباشرة .
وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكاليات التي تواجه الدول الهشة : وجود نفوذ واسع بلا مسؤولية ، وتأثير كبير بلا مساءلة ، فالتصريحات التي تتجاوز حدود الدولة تظهر بوضوح في التصريحات المتكررة التي يطلقها بعض قادة الجماعات المسلحة في المنطقة ، والتي تتناول ملفات تتعلق بالحرب والسلم والعلاقات الدولية والتحالفات الإقليمية ، فعندما يتحدث زعيم تنظيم مسلح عن قضايا سيادية وكأنه المخول الوحيد بتحديد مسار الدولة ، فإن ذلك يعكس خللاً عميقاً في توازن السلطة .
ولا تكمن المشكلة في حرية التعبير عن الرأي السياسي ، فذلك حق مشروع للجميع ، وإنما في امتلاك القدرة على تحويل هذه المواقف إلى وقائع عملية خارج إطار المؤسسات الشرعية .
إن التصريحات التي تصدر عن شخصيات مثل نعيم قاسم وغيره من قادة الجماعات المرتبطة بالمحور الإيراني غالباً ما تثير جدلاً واسعاً ، ليس بسبب مضمونها السياسي فقط ، بل بسبب ما تعكسه من تصور لدور هذه الجماعات بوصفها شريكاً مقرراً أو بديلاً عن المؤسسات الرسمية في قضايا سيادية حساسة ..

لا تتوقف آثار ازدواجية السلطة عند الجانب السياسي فحسب ، بل تمتد إلى الاقتصاد والتنمية والاستثمار ، حين ان هنالك كلفة اقتصادية لهيمنة السلاح ، فالمستثمر المحلي أو الأجنبي يبحث دائماً عن بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ. وعندما يشعر بأن القرار الاقتصادي والسياسي قد يتأثر بصراعات مسلحة أو توترات إقليمية لا تخضع لحسابات الدولة ، فإنه يتردد في ضخ استثمارات طويلة الأمد .
كما أن استمرار حالة عدم اليقين يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال ، وتراجع فرص العمل ، وارتفاع معدلات البطالة ، وتباطؤ النمو الاقتصادي ، وفي كثير من الأحيان تصبح الدولة مضطرة لتوجيه مواردها المحدودة نحو إدارة الأزمات الأمنية بدلاً من الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية ، وبالتالي فإن ثمن ضعف الدولة لا يُدفع فقط في ساحات السياسة ، بل في حياة المواطنين اليومية ومستوى معيشتهم ومستقبل أبنائهم ..
لذا لابد من النظر إلى التجارب العالمية والدروس المستفادة ، حيث تثبت تجارب الدول الناجحة أن الاستقرار المستدام لا يتحقق إلا عندما تكون السلطة السياسية والعسكرية خاضعة لمؤسسات الدولة وحدها . فجميع الدول التي تمكنت من بناء اقتصاد قوي ومؤسسات مستقرة فعلت ذلك عبر ترسيخ مبدأ سيادة القانون ووحدة القرار الوطني .
أما الدول التي سمحت بوجود جيوش موازية أو مراكز قوة مستقلة ، فقد دخلت غالباً في دوامات طويلة من الصراع والانقسام وعدم الاستقرار ، وأصبحت أكثر عرضة للتدخلات الخارجية واستنزاف مواردها الوطنية ..

إن معالجة هذه الأزمة لا تتحقق بالشعارات أو الخطابات الانفعالية ، بل عبر مشروع وطني شامل يعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة ويؤكد أن السلاح يجب أن يكون حصراً بيدها ، وأن القرار السيادي لا يجوز أن يخضع لأي جهة خارج الأطر الدستورية .
ويتطلب ذلك تعزيز استقلال القضاء ، وتطوير المؤسسات الأمنية والعسكرية ، وترسيخ ثقافة المواطنة ، وإخضاع جميع القوى السياسية لقواعد المنافسة السلمية المتكافئة . كما يتطلب بناء توافق وطني واسع حول أولوية الدولة باعتبارها الإطار الجامع لكل المواطنين ، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو المذهبية .
إن القضية في جوهرها ليست خلافاً بين أطراف سياسية متنافسة ، بل صراع بين منطقين متناقضين : منطق الدولة التي تقوم على القانون والمؤسسات والمساءلة ، ومنطق القوة الذي يمنح السلاح حق تجاوز هذه المؤسسات وفرض الإرادة خارجها .
ولذلك فإن مستقبل العراق ولبنان واليمن ، كما مستقبل أي دولة تواجه الظاهرة نفسها ، سيبقى مرتبطاً بقدرتها على استعادة احتكارها للقرار السيادي والقوة الشرعية ، فالدول لا تُبنى بالولاءات المتعددة ، ولا تستقر بتعدد مراكز القرار، ولا تزدهر في ظل وجود سلطات موازية تنازعها اختصاصاتها .
إن الدولة القوية ليست تلك التي تملك أكبر عدد من الأسلحة ، بل تلك التي يخضع فيها الجميع ، بلا استثناء ، لسلطة القانون ..

زر الذهاب إلى الأعلى