د. بندر عباس اللامي: تزييف الأرشيف ومغالطة الواقع.. الرد على ادعاءات استهداف كرامة الماجدات العراقيات

منذ احتلاله في نيسان ٢٠٠٣ تتعرض الذاكرة التاريخية للعراق لمحاولات تشويه مستمرة تهدف أحياناً إلى إعادة كتابة الأحداث وفق أجندات سياسية آنية. ومن أخطر هذه المحاولات ما ورد مؤخراً على لسان الصحفي فلاح المشعل ( الذي اعتقدنا خطأً انه قد رجع إلى جادة الصواب وطنيا ) ؟؟؟!!! المشعل ادعى كذبا ونفاقا ورياً وتقيةً بوجود توجيهات من القيادة العراقية الوطنية قبل الاحتلال للإساءة لنساء الجنوب العراقي في الصحافة؟؟!! . هذا الادعاء لا يصطدم فقط بالعاطفة الشعبية بل يصطدم بالحقائق التوثيقية والمنطق الذي قامت عليه الدولة العراقية آنذاك منها على سبيل المثال لا الحصر:
أولاً: أدبيات الماجدة والخطاب الرسمي
من المعروف تاريخياً أن الرئيس العراقي صدام حسين هو من أطلق ووظف مصطلح (( الماجدة ))لوصف المرأة العراقية وجعل من شرف المرأة خطاً أحمر في الخطاب التعبوي للدولة. إن الدولة التي كانت تبحث عن تماسك عشائري واجتماعي وطني لدعم جبهات القتال والمواجهات السياسية لا يمكن منطقياً أن تتبنى خطاباً يطعن في أعراض مكون أصيل يمثل جزءاً مهماً من عماد الجيش وعماد المجتمع في الجنوب. فالعرف العشائري الذي كان الرئيس العراقي يحرص على احترامه وحبه وكسبه يرى في الطعن بالعرض مسبة وجريمة لا تغتفر ومن غير المتصور سياسياً أن تسعى سلطة لتقويض شرعيتها بنفسها وانا شخصيا كنت احد أهم كتاب الافتتاحيات لم ارى او اسمع في يوم من الايام حتى ولو همسا مثل هكذا افتراءات غريبة .؟!
ثانياً: غياب الدليل الوثائقي
يمتلك العراق واحداً من أكثر الأرشيفات الورقية والإعلامية تدوينًا. صحف مثل “الثورة” والجمهورية و”القادسية” ومجلات مثل “ألف باء” كلها موجودة ومؤرشفة في مراكز الدراسات العالمية وفي الخزائن الخاصة. التحدي القائم أمام المدعين هو استخراج مقال واحد أو زاوية صحفية تسيء لنساء الجنوب. إن السياسة الإعلامية حينها كانت مركزية بامتياز، ولا يمكن لصحفي أو رئيس تحرير أن يجرؤ على نشر ما يمس السلم المجتمعي أو يطعن في كرامة العراقيات ما لم يكن بقرار والقرار كان دائماً يشدد على العكس تماماً.
ثالثاً: المرأة في القوانين والتشريعات
في تلك الحقبة صدرت قوانين وتشريعات تشدد العقوبات في قضايا القذف والتشهير وخاصة فيما يتعلق بالمرأة. كيف يمكن لنظام يشرع قوانين لحماية العرض (بصرف النظر عن الموقف السياسي منه) أن يوعز بانتهاكه صحفياً؟ إن هذا التناقض يكشف أن الادعاء يفتقر للمصداقية الواقعية.
إن الاختلاف السياسي للبعض سيما من جلبهم المحتل خلف دباباته مع نظام العراق الوطني قبل الاحتلال لا يبرر اختلاق قصص تمس نسيج المجتمع العراقي. إن الطعن في أعراض نساء الجنوب (أو أي بقعة في العراق) تحت ستار الخصومة السياسية هو إفلاس أخلاقي ومهني. إن أرشيف العراق الإعلامي يظل هو الشاهد الحكم وذاكرة الأحياء من الذين عملوا بالصحافة بشرف ومهنية ووطنية وهم كثر يثبت أن المرأة العراقية في كل ارجاء العراق كانت دائماً رمزاً كبيرا وعميقاً للكرامة في الخطاب الرسمي وأن محاولات ((فلاح المشعل)) وغيره من المفلسين وطنياً ما هي إلا محاولة لخلط الأوراق وتزييف الوعي الجمعي لخدمة محاور سياسية معروفة الارتباطات والتغطية على الفشل والإخفاقات لنظامهم الذي أسسه الاحتلال بعد نيسان ٢٠٠٣؟!
ان اثارة هذا النوع من القضايا وفي هذا الظرف المعقد يثبت أهمية الدراية الإعلامية للمواطن العراقي التي تعلمنا ألا نصدق أي ادعاء مرسل دون وثيقة أو دليل أرشيفي خاصة عندما يتعلق الأمر باتهامات تمس الشرف أو تثير النعرات الطائفية والمناطقية.
