آراء

نزار العوصجي: ترامب وإيران.. استراتيجية المد والجزر

يبدوا ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرك بأن التعامل مع الملف الإيراني لا يحتمل المغامرات العسكرية غير المحسوبة ، كما لا يسمح في الوقت نفسه بترك طهران تواصل تعزيز نفوذها الإقليمي وتطوير قدراتها الاستراتيجية دون ضغوط مؤثرة ، لذلك تبدو الاستراتيجية الأمريكية الحالية أقرب إلى تطبيق المثل الشعبي القائل : «لا يموت الذيب ولا تفنى الغنم»؛ فلا حرب شاملة تُشعل المنطقة بأسرها ، ولا تراجع يسمح لإيران بتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية جديدة .
المتابع لمسار الأحداث يلاحظ أن ترامب ، المعروف بخطابه الحاد ومواقفه الصدامية ، لا يزال حتى الآن يكتفي بالتلويح بالخيار العسكري دون الانتقال إلى مواجهة مباشرة واسعة النطاق ، فرغم التصريحات المتشددة والتهديدات المتكررة ، فإن الواقع العملي يكشف عن سياسة مختلفة تقوم على استنزاف إيران اقتصادياً وسياسياً بدلاً من الدخول في حرب قد تكون كلفتها باهظة على الولايات المتحدة وحلفائها .
القراءات السياسية المتعددة تشير إلى أن دوائر صنع القرار الأمريكية باتت أكثر اقتناعاً بأن الحرب المباشرة مع إيران قد تحقق نتائج معاكسة للأهداف المرجوة ، فالتاريخ السياسي يؤكد أن الشعوب غالباً ما تلتف حول أنظمتها خلال فترات الحروب والتهديدات الخارجية ، حتى وإن كانت تعاني من أزمات داخلية عميقة ، وعليه فإن أي هجوم عسكري واسع قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة إنتاج شرعيته الداخلية تحت شعار الدفاع عن الوطن ومواجهة العدوان الخارجي ..

من هذا المنطلق ، يبدو أن هناك اتجاهاً داخل مراكز التفكير الأمريكية يدفع نحو اعتماد استراتيجية أكثر هدوءاً وأطول نفساً ، قوامها تشديد العقوبات الاقتصادية ، وتضييق الخناق على مصادر التمويل الإيرانية ، وفرض مزيد من العزلة على الاقتصاد الإيراني ، والرهان هنا لا يقوم على تحقيق نتائج فورية ، بل على خلق بيئة ضاغطة تؤدي تدريجياً إلى إنهاك النظام اقتصادياً وتقليص هامش حركته داخلياً وخارجياً .
فالاقتصاد ، في نظر العديد من الاستراتيجيين الأمريكيين ، يمثل نقطة الضعف الأكثر حساسية بالنسبة لإيران ، إذ إن استمرار الضغوط على العملة الوطنية ، وتراجع الاستثمارات الأجنبية ، وتقييد حركة الصادرات النفطية ، كلها عوامل تترك آثاراً مباشرة على الوضع المعيشي للمواطن الإيراني ، وتزيد من صعوبة إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد .
لهذا السبب يمكن تفسير التمديدات المتكررة للمهل السياسية ، واستمرار الحديث عن فرص التفاوض ، وعدم التسرع في اتخاذ خطوات عسكرية واسعة ، باعتبارها جزءاً من استراتيجية تهدف إلى منح العقوبات الوقت الكافي لإحداث تأثيرها التراكمي ، فواشنطن تدرك أن الضغط الاقتصادي يحتاج إلى أشهر وربما سنوات كي يحقق أهدافه ، لكنه في المقابل أقل تكلفة من الحرب وأكثر قدرة على إحداث تحولات طويلة الأمد ..

غير أن هذه المقاربة لا تخلو من التحديات والمخاطر ، فإيران ليست دولة معزولة بالكامل ، وتمتلك شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية التي تساعدها على امتصاص جزء من الضغوط ، كما أنها أثبتت خلال العقود الماضية قدرة ملحوظة على التكيف مع العقوبات وإيجاد مسارات بديلة للتجارة والتمويل .
إضافة إلى ذلك ، تمتلك طهران مجموعة من أوراق القوة التي تجعل أي محاولة لخنقها اقتصادياً عملية معقدة ومليئة بالمخاطر ، ويأتي في مقدمة هذه الأوراق الموقع الجيوسياسي الاستثنائي لإيران إشرافها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم ، وهو مضيق هرمز ، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية ، ولذلك فإن أي تصعيد في هذه المنطقة ينعكس فوراً على أسواق الطاقة العالمية ، ويرفع منسوب القلق لدى القوى الاقتصادية الكبرى .
كما أن دول الخليج العربي تظل طرفاً أساسياً في هذه المعادلة ، فالتوترات الأمنية أو التهديدات التي قد تستهدف البنية التحتية للطاقة في المنطقة من شأنها أن تضع الإدارة الأمريكية أمام خيارات أكثر صعوبة ، وفي حال وصلت واشنطن إلى قناعة بأن الضغوط الاقتصادية وحدها لم تعد كافية لضمان الاستقرار أو حماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية ، فقد يصبح الخيار العسكري مطروحاً بدرجات مختلفة ، سواء عبر عمليات محدودة أو من خلال تحالفات إقليمية أوسع ..

لكن السؤال الأهم يبقى : هل الهدف الأمريكي هو تغيير سلوك النظام الإيراني أم إضعافه إلى الحد الذي يفقده القدرة على التأثير الإقليمي ؟
الإجابة ليست واضحة بشكل كامل ، إلا أن المؤكد أن واشنطن تسعى إلى إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية ومصالح حلفائها ، فالإدارة الأمريكية تنظر إلى النفوذ الإيراني بوصفه أحد أبرز التحديات أمام مشاريع الاستقرار الإقليمي التي تتبناها ، وترى أن الحد من هذا النفوذ يمثل خطوة أساسية في أي ترتيبات مستقبلية للمنطقة .
وفي المقابل ، تراهن طهران على عامل الوقت ، وعلى قدرتها على الصمود واستنزاف خصومها سياسياً واقتصادياً ، كما تراهن على المتغيرات الدولية التي قد تفرض على واشنطن إعادة حساباتها في أكثر من ملف عالمي .
وفي ضوء هذه المعطيات ، يمكن القول إن المشهد الحالي لا يعكس تراجعاً أمريكياً ولا انتصاراً إيرانياً ، بل يعبر عن مرحلة من الصراع الاستراتيجي طويل الأمد ، حيث يستخدم كل طرف أدواته بأقصى درجة ممكنة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تخرج عن السيطرة .
وعليه ، فإن استراتيجية ترامب تجاه إيران تبدو اليوم أقرب إلى إدارة الصراع منها إلى حسمه ، فهو يلوّح بالعصا العسكرية للحفاظ على قوة الردع ، لكنه يفضّل استخدام سلاح الاقتصاد لتحقيق أهدافه بأقل تكلفة سياسية وعسكرية .
إنها معادلة دقيقة تحاول أن تحقق الهدف الأمريكي دون إشعال حرب كبرى ، أو كما يقول المثل الشعبي : «لا يموت الذيب ولا تفنى الغنم»..

زر الذهاب إلى الأعلى