أخبارموضوعات رئيسية

الحرب تغيّر الخليج.. دول تسابق الزمن لتجاوز مضيق هرمز وتبني خططًا أمنية بديلة

يورو تايمز – د. علي الجابري

بعد أكثر من ستة أشهر من الحرب الأميركية–الإيرانية، بدأت دول الخليج تتعامل مع الاضطراب في مضيق هرمز باعتباره واقعًا قد يستمر طويلًا وليس أزمة مؤقتة ستنتهي ثم تعود حركة النفط والتجارة إلى ما كانت عليه.

وتكشف تحركات متسارعة في الإمارات وعُمان ودول خليجية أخرى عن سباق لبناء ما يمكن وصفه بـ«الخطة باء»: موانئ وخطوط أنابيب وطرق برية خارج المضيق، بالتوازي مع زيادة القدرات الدفاعية وتنويع الشركاء الأمنيين بدل الاعتماد بصورة شبه كاملة على الولايات المتحدة.

وخلص تحقيق موسع نشرته واشنطن بوست إلى أن الدول الخليجية التي تحملت جانبًا كبيرًا من الهجمات الإيرانية باتت تتصرف على أساس أن الحرب ليس لها موعد واضح للنهاية.

لم تعد أزمة لها بداية ونهاية

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ومستشار رئيس الوزراء ماجد الأنصاري خلال منتدى هيلي في أبوظبي إن الخطر الأساسي يتمثل في تطبيع ما حدث خلال الأشهر الماضية والتعامل معه كواقع جديد، بدل اعتباره أزمة مؤقتة.

وأكدت وزارة الخارجية القطرية أن الأنصاري حذر من أن تداعيات الصراع لا تتوقف عند دول الخليج، بل تمتد إلى الطاقة والتجارة والملاحة البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.

ويرى الأنصاري أن الأحداث كشفت هشاشة البنية الأمنية الإقليمية القائمة أساسًا على الردع والدفاع، وأن المنطقة تحتاج إلى نظام أكثر قدرة على الصمود يقوم على الأمن الجماعي والدبلوماسية والتعاون الخليجي وحماية سلاسل الإمداد.

الإمارات تبني طريقًا آخر للنفط

الإمارات هي واحدة من الدول التي تستطيع بالفعل نقل جزء مهم من صادراتها النفطية من دون المرور بمضيق هرمز.

وتملك شركة أدنوك خط أنابيب قائمًا بطول نحو 406 كيلومترات ينقل الخام من أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على الساحل الشرقي للإمارات، ومنه يمكن الوصول مباشرة إلى بحر عُمان والمحيط الهندي.

لكن الحرب سرعت الانتقال إلى مستوى أكبر.

فقد أعلنت أدنوك أنها تسرّع إنشاء خط ثانٍ لزيادة القدرة على تصدير النفط عبر الفجيرة وتجاوز هرمز. وقال سلطان الجابر في مايو إن المشروع كان قد أنجز نحو 50% منه، وإن الشركة تسرع العمل لإنجازه باتجاه عام 2027.

وبذلك لم يعد تجاوز المضيق مجرد إجراء طارئ، بل أصبح جزءًا من استراتيجية بنية تحتية طويلة الأمد.

محطات جديدة على الساحل الشرقي

وليس النفط وحده الذي يبحث عن طريق بديل.

ففي يوليو أعلنت موانئ دبي العالمية اتفاقًا لتطوير محطتين جديدتين في الفجيرة على الساحل الشرقي للإمارات لمدة امتياز تبلغ 50 عامًا.

وتشمل الخطة محطة حاويات ومتعددة الأغراض في الرغيلات بطاقة تصل إلى 2.5 مليون حاوية نمطية سنويًا، إضافة إلى قدرة مناولة 1.7 مليون طن من البضائع العامة، ومحطة في دبا بطاقة تصل إلى 3.6 ملايين طن من البضائع سنويًا.

قفزة هائلة في حركة ميناء خورفكان

ومن أكثر الأرقام دلالة ما يحدث في ميناء خورفكان الواقع أيضًا خارج مضيق هرمز.

ونقلت واشنطن بوست عن الرئيس التنفيذي لشركة غلفتينر، المشغلة للميناء، أن حجم الحاويات التي يعالجها خورفكان ارتفع من حوالي 8 آلاف حاوية أسبوعيًا قبل الحرب إلى نحو 70 ألفًا أسبوعيًا حاليًا.

أي أن حركة الميناء زادت عدة أضعاف مع بحث شركات ودول المنطقة عن بوابات بديلة.

وتؤكد شركات الخدمات اللوجستية أن الهدف ليس بالضرورة استبدال هرمز بصورة كاملة، وهو أمر بالغ الصعوبة، بل خفض درجة الاعتماد عليه بصورة حادة عندما تتدهور الأوضاع الأمنية.

عُمان والسعودية والإمارات أفضل موقعًا

تختلف قدرة دول الخليج على تجاوز هرمز بصورة كبيرة.

فالإمارات وعُمان والسعودية تملك منافذ أو شبكات نقل تسمح بدرجات مختلفة من الوصول إلى البحار المفتوحة من دون الاعتماد الكامل على المضيق.

أما قطر والكويت والبحرين فهي أكثر تعرضًا للمشكلة الجغرافية، لأنها لا تمتلك البدائل البحرية نفسها خارج هرمز.

ويصبح هذا الفارق شديد الأهمية عندما يستمر تعطل المضيق لأسابيع أو أشهر بدل أيام.

قطر: الاعتماد على التحالفات لا يكفي

التحول لا يقتصر على الاقتصاد والموانئ.

ففي الجانب الأمني، تقول دول خليجية إن وجود الولايات المتحدة وتحالفاتها العسكرية في المنطقة يظل مهمًا، لكنه لم يعد كافيًا وحده لضمان حماية البنية التحتية والملاحة.

وأكد الأنصاري أن دول الخليج يجب أن تكون شريكًا أساسيًا في أي ترتيبات تخص أمن المنطقة ومستقبلها، فيما شدد على ضرورة بناء منظومة أكثر مرونة وقدرة على الصمود.

وفي الإمارات، قال المستشار الرئاسي أنور قرقاش إن بلاده تعمل على تطوير طرق بديلة لتجارة الطاقة ولا تريد أن تصبح صادراتها واقتصادها رهينة الحرب الإقليمية، مشددًا كذلك على أن الاعتماد على الولايات المتحدة أمنيًا وحده غير كافٍ.

أسلحة وشركاء جدد

وتقول واشنطن بوست إن صناعة الدفاع تشهد توسعًا في أنحاء الخليج، مع اتجاه دول المنطقة إلى تنويع علاقاتها مع موردين وشركاء مثل تركيا وكوريا الجنوبية وأوكرانيا.

وذكر التقرير أن الإمارات نشرت نظام دفاع صيني الصنع في البحرين في ظل تعرض المملكة لهجمات بالصواريخ والمسيّرات الإيرانية، من دون اعتراض أميركي على الخطوة بحسب مصدر نقلت عنه الصحيفة.

وهذه الجزئية تحمل دلالة سياسية تتجاوز نوع السلاح نفسه: دول الخليج التي اعتمدت لعقود على المظلة الأميركية أصبحت تبحث عن طبقات متعددة من الحماية وموردين متنوعين.

هرمز لن يفقد أهميته قريبًا

كل هذه الاستثمارات لا تعني أن مضيق هرمز أصبح قابلًا للاستغناء عنه.

فواشنطن بوست تشير إلى أن نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية كان يمر عبر الممر قبل اندلاع الحرب في فبراير/شباط، بينما أظهرت بيانات تتبع السفن أن المرور تراجع بشدة خلال النزاع.

كما أن دولًا مثل قطر، صاحبة موقع مركزي في سوق الغاز الطبيعي المسال، تظل شديدة الاعتماد على المضيق.

لذلك فإن البدائل الجديدة لا تلغي هرمز، لكنها تغير الحساب الاستراتيجي: كل برميل نفط وكل حاوية يمكن تحويلها إلى مسار آخر تقلل قليلًا من قدرة إغلاق المضيق أو تهديده على شل اقتصاد الخليج.

«الخطة باء» تصبح سياسة دائمة

ربما يكون أهم تحول كشفته الحرب هو أن البنية التحتية البديلة لم تعد تُبنى فقط تحسبًا لأزمة طارئة.

الإمارات تسرع خط أنابيب جديدًا، وتوسع الفجيرة، وتتحول خورفكان إلى مركز أكبر لحركة الحاويات، بينما تعمل شركات النقل على زيادة القدرة البرية عندما تضيق الطرق البحرية.

وفي الوقت نفسه، تدفع الحرب دول الخليج إلى إعادة التفكير في كيفية حماية نفسها وفي الجهات التي تشتري منها الأسلحة والتكنولوجيا الدفاعية.

وبذلك قد تكون إحدى النتائج الدائمة للحرب الأميركية–الإيرانية، مهما كانت نهايتها، هي أن الخليج الذي كان يعتمد على هرمز بوصفه شريانًا لا بديل له وعلى واشنطن بوصفها الضامن الأمني الرئيسي بدأ يبني بدائل لكليهما.

اقرأ أيضًا

زر الذهاب إلى الأعلى