نزار العوصجي: هل أنتم سياسيون حقاً؟

حين نستمع إلى أحاديث مَن يُسمّون أنفسهم سياسيين، تتبادر إلى أذهاننا صور أولئك الذين صنعوا أثراً في تاريخ السياسة، ممن أدركوا أن السياسة ليست طريقاً إلى الثراء، ولا وسيلة للنفوذ، ولا سلّماً للوصول إلى السلطة، وإنما مسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه الإنسان والوطن.
وحين نقارن تلك النماذج بما نراه حولنا، نجد أنفسنا أمام أسئلة كثيرة، بل أمام علامات استفهام لا يمكن تجاهلها.
فالسياسي الحقيقي، قبل أن يكون صاحب منصب أو سلطة، ينبغي أن يكون أميناً، نزيهاً، حريصاً على المال العام، مضحياً من أجل شعبه، ومخلصاً ووفياً لوطنه.
فالسياسة في معناها النبيل ليست امتيازاً شخصياً، بل تكليفاً ومسؤولية، ومن يتصدى للشأن العام عليه أن يدرك أن المنصب زائل، وأن ما يبقى هو أثره في حياة الناس والتاريخ.
ومن هنا، لا بد أن نتوجه إلى مَن يتصدرون المشهد السياسي بالسؤال:
هل اعتزلتم ترف الحياة عندما توليتم مسؤولية الناس؟
هل كنتم أمناء على المال العام، أم أصبح المال العام طريقاً إلى إثرائكم وإثراء المقربين منكم؟
هل حرصتم على ثروات البلاد ومقدراتها، أم تعاملتم معها وكأنها غنيمة مباحة؟
هل ضحيتم من أجل الشعب، أم طالبتم الشعب دائماً بالمزيد من التضحيات، بينما تنعمون أنتم بالامتيازات والحصانات؟
هل أخلصتم للوطن، أم جعلتم الولاء مرتبطاً بالحزب أو الطائفة أو الجهة أو المصالح الخارجية؟
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
فإذا كان السياسي قد فقد الأمانة، وتخلى عن النزاهة، وأهدر المال العام، ولم يصن ثروات بلاده، ولم يضحِ من أجل شعبه، ولم يجعل مصلحة الوطن فوق مصالحه الشخصية والحزبية، فبأي معنى يمكن أن نطلق عليه صفة “سياسي”؟
إن امتلاك المنصب لا يصنع سياسياً، وارتداء البدلة الرسمية لا يصنع رجل دولة، والظهور المتكرر على شاشات التلفاز لا يمنح صاحبه صفة رجل السياسة.
رجل الدولة يُعرف بما يقدمه لوطنه، لا بما يجنيه من وطنه.
والسياسة الحقيقية ليست في كثرة الكلام، ولا في رفع الشعارات، ولا في القدرة على تبرير الفشل، وإنما في النزاهة، والمسؤولية، والشجاعة، والتجرد، والقدرة على تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
لقد آن الأوان أن نعيد تعريف السياسة في العراق، وأن نفرّق بين السياسي ورجل الدولة، وبين المتنفذ وصاحب المسؤولية، وبين من يخدم الوطن ومن يستخدم الوطن لخدمة نفسه.
فالوطن ليس شركة خاصة، والشعب ليس وقوداً للسلطة، والمال العام ليس غنيمة، والمنصب ليس إرثاً عائلياً أو حزبياً.
ومن لم يستطع أن يحمل هذه المسؤولية بأمانة وإخلاص، فليملك شجاعة الاعتراف بحقيقة واحدة:
إنه لم يكن سياسياً، بل كان مجرد شخصٍ امتهن السياسة.
والفرق بين الاثنين، هو الفرق بين من يبني وطناً، ومن يبني نفسه على حساب الوطن.
الفرق بين اللص والنزيه ليس في المال وحده، بل في القيمة والمبدأ والضمير.
اللص يرى المال العام أو مال الآخرين فرصةً للاستحواذ، ويبحث عن الثغرات التي تمكّنه من الأخذ دون حق، ثم يحاول تبرير فعلته أو إخفاءها.
وقد يسرق المال، أو المنصب، أو القرار، أو حتى مستقبل الناس.
أما النزيه فيرى المال أمانة، والمنصب مسؤولية، والسلطة تكليفاً لا تشريفاً. يستطيع أن يملك دون أن يطمع، وأن يحكم دون أن يستغل، وأن يرفض المكسب غير المشروع حتى عندما يكون قادراً على الحصول عليه.
اللص يخشى انكشاف سرقته، أما النزيه فلا يخشى انكشاف حساباته.
والأخطر من اللص العادي هو اللص الذي يرتدي ثوب النزاهة، ويتحدث عن الأخلاق، ويستخدم القانون لحماية فساده؛ لأن سرقته لا تقتصر على المال، بل تمتد إلى ثقة الناس وإيمانهم بالدولة والعدالة.
وباختصار: اللص يسأل: ماذا أستطيع أن آخذ؟
والنزيه يسأل: ماذا أستطيع أن أقدّم؟
اللص يبحث عن مصلحته من خلال السلطة، والنزيه يستخدم السلطة لخدمة المصلحة العامة..
