آراء

نزار العوصجي: من سنمّار إلى زمننا

حين يُكافأ صاحب الفضل بالجحود..
ليست كل الخيانات تأتي من عدو، وليست كل الطعنات تأتي من خصم.
أحيانًا تكون أقسى الطعنات تلك التي تأتي من يدٍ ظننتَ أنك صنعت لها معروفًا، ومن شخصٍ وقفت إلى جانبه عندما كان محتاجًا، ثم وجدته بعد أن اشتد عوده يلتفت إليك لا ليقول: شكرًا، وإنما ليقول، بطريقة أو بأخرى: لم تفعل شيئًا.
هنا تبدأ قصة الجحود، وقصة سنمّار ليست مجرد حكاية من حكايات العرب القديمة، وإنما صورة تختصر مأساة إنسانية تتكرر في كل زمان.
بنى سنمّار قصر الخورنق، وأتقن عمله حتى أصبح البناء مضربًا للمثل، لكن نهايته كانت أن أُلقي من أعلى القصر الذي بناه.
ومنذ ذلك الحين بقيت عبارة «جزاء سنمّار» حاضرة في اللغة العربية، لتصف حالة من يقدم المعروف ثم يلقى بدل المكافأة عقوبة.

الزمن تغير، أما سنمّار، فلم يتغير.
ففي كل عصر هناك «سنمّار» جديد؛ إنسان يعمل، ويبني، ويضحي، ويمنح، ثم يجد نفسه خارج المشهد بعد أن يكتمل البناء.
والأكثر إيلامًا أن الذين يزيحونه قد يكونون أول المستفيدين من عمله.
المشكلة ليست في نكران الجميل وحده.
الجحود في أبسط صوره هو أن تنسى معروفًا، لكن أخطر أشكاله أن تحوّل المعروف إلى تهمة.
أن تساعد إنسانًا فيقول إنك فعلت ذلك لمصلحة شخصية.
أن تقف معه فيقول إنك كنت تبحث عن نفوذ.
أن تمنحه فرصة فيقول إنك كنت مضطرًا إلى منحه إياها.
أن تتحمل عنه فيقول إنك كنت شريكًا في المشكلة.
ثم يصل الأمر أحيانًا إلى محاولة محو كل أثر لما فعلته.
وهنا لا يعود الأمر نكرانًا للجميل فحسب، بل يصبح إعادة كتابة للتاريخ، وهذه أخطر أنواع الخيانة، لأن الجاحد لا يريد أن ينكر معروفك فقط؛ بل يريد أن ينكر أنك كنت موجودًا أصلًا.

الكريم واللئيم..
العرب فهموا هذه النفس البشرية منذ قرون، ولذلك قال المتنبي:
إذا أنت أكرمتَ الكريمَ ملكتَهُ..
وإن أنت أكرمتَ اللئيمَ تمرَّدا.
المشكلة ليست في الإحسان، المشكلة في من يقع عليه الإحسان.
الكريم يرى المعروف دينًا في عنقه، واللئيم يراه حقًا من حقوقه.
الكريم يقول: كيف أرد لك الجميل؟
واللئيم يقول: ماذا ستعطيني بعد؟
الكريم يحفظ اليد التي امتدت إليه، واللئيم قد يحاول قطعها حتى لا تبقى شاهدة على حاجته السابقة.

عندما تصبح هذه الثقافة ظاهرة عامة..
المجتمع الذي لا يحفظ لأهل الفضل فضلهم، لا يعاقب شخصًا واحدًا؛ وإنما يعاقب نفسه، لأن الرسالة التي يبعثها إلى الناس تصبح واضحة: لا تضحوا. لا تبادروا. لا تبنوا. لا تساعدوا، فقد يأتي يوم يُستخدم فيه ما فعلتموه ضدكم.
وهنا تبدأ المجتمعات في فقدان واحدة من أهم مقومات نهضتها: الثقة.
فالإنسان لا يستطيع أن يبني وطنًا إذا كان يخشى أن يُكافأ على إخلاصه بالإقصاء.
ولا يستطيع أن يعمل بإخلاص إذا رأى أن الوصول لا يكون بالكفاءة، وإنما بالولاء والتملق.
ولا يستطيع المخلص أن يستمر طويلًا إذا كان يرى الانتهازي يتقدم أمامه في كل مرة.

من سنمّار إلى حاضرنا..
ليس المطلوب أن نبحث عن سنمّار في شخص بعينه، فـ«سنمّار» ليس اسمًا فقط، إنه حالة.
كل إنسان بنى شيئًا ثم أُقصي بعد اكتماله هو سنمّار.
كل مخلص قدّم ما يستطيع ثم وجد نفسه متهمًا بدل أن يكون مكرّمًا هو سنمّار.
كل صاحب كفاءة أُبعد لأن وجوده يزعج أصحاب المصالح هو سنمّار.
وكل إنسان وقف في الصفوف الأولى عندما كانت المخاطر حقيقية، ثم جاء من لم يكن حاضرًا ليحصد الثمار، هو سنمّار آخر، لكن الفرق بين الماضي والحاضر أن سنمّار القديم سقط من قصر، أما سنمّار المعاصر فقد يُسقطونه من الذاكرة، وهذه ربما تكون أقسى.

لا تندم على المعروف..
ومع ذلك، لا ينبغي للإنسان أن يندم على الخير الذي فعله، فالندم على الإحسان يعني أن الجاحد نجح في تغييرك، وهذا ما لا ينبغي أن يحدث.
إذا أحسنت إلى إنسان ثم جحدك، فلا تندم.
لقد كنت كريمًا حين أحسنت، وهو الذي اختار أن يكون جاحدًا حين أنكر.
أنت مسؤول عن فعلك، وهو مسؤول عن أخلاقه، لكن الحكمة تقتضي أن تتعلم.
فليس مطلوبًا منك أن تكره الناس، وإنما أن تعرف الناس.
وليس مطلوبًا منك أن تغلق قلبك، وإنما أن تضع لكل إنسان مكانه.
وهنا تعود الحكمة الشعبية: «من لا يراني كُحلًا في عينه، لا أراه نعلًا في رجلي.»
هي ليست دعوة إلى الغرور، بل إلى الكرامة.
لا تطلب من أحد أن يضعك في عينه ولا تتوسل تقديرًا ممن قرر ألا يقدرك.
ولا تبقَ في مكان تُعامل فيه وكأن وجودك عبء، بينما كنت يومًا جزءًا من صناعة ما فيه.

في النهاية، قد ينسى الناس من أحسن إليهم، وقد ينكرون، وقد يعيدون كتابة الحكاية بما يناسب مصالحهم، لكن التاريخ لا ينسى كل شيء، والأيام، مهما طال بها الزمن، قادرة على كشف الفرق بين من ضحّى ومن جاء ليحصد، وبين من كان حاضرًا وقت الخطر ومن ظهر بعد انتهاء الخطر.
فلا تحزن إذا جحد أحدهم إحسانك، ولا تهدر كرامتك في مطاردة ناكر للجميل.
فأحيانًا يكون أجمل ما تفعله بعد أن تعرف حقيقة إنسان: أن تتوقف عن إعطائه ما لم يعرف قيمته، وأحيانًا يكون أقوى رد على الجاحد: أن تتركه وحيدًا مع ذاكرته، فهو قد يستطيع أن ينكر فضلك أمام الناس، لكنه لن يستطيع أن يمحو الحقيقة من نفسه، وفي نهاية المطاف: الكريم لا يحتاج إلى شهادة اللئيم والمخلص لا يحتاج إلى اعتراف الانتهازي، وصاحب الفضل لا يفقد فضله لأن أحدًا جحده.
أما «سنمّار»، فقد مات منذ زمن بعيد، لكن قصته بقيت، وهذه وحدها رسالة تستحق أن نتوقف عندها: قد يستطيع الجاحد أن يؤذي صاحب الفضل، لكنه لن يستطيع أن يمنع التاريخ من معرفة من بنى القصر..

إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة.

أنتِ المقصودة بالكلام، وإن كنتُ أوجّهه ظاهريًا إلى غيرك..

زر الذهاب إلى الأعلى