فرنسا.. روتايو يريد إلغاء «حق الأرض» في الجنسية باستفتاء: لا يمكن أن تصبح فرنسيًا بالمصادفة

يورو تايمز – باريس
تعهد المرشح الرئاسي عن حزب الجمهوريين Les Républicains، برونو روتايو Bruno Retailleau، بإلغاء ما يعرف في فرنسا بـ «حق الأرض – droit du sol» في الحصول على الجنسية الفرنسية، عبر استفتاء شعبي إذا فاز في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027.
وقال روتايو مساء الثلاثاء خلال برنامج Objectif Élysée 2027 على CNews وEurope 1 إنه يريد أن تكون السياسة المتعلقة بالهجرة خاضعة بصورة مباشرة لقرار الفرنسيين، معلنًا أنه سيعمل أولًا على تعديل الدستور لتوسيع نطاق المسائل التي يمكن عرضها على الاستفتاء، ثم يطرح سياسة الهجرة على الناخبين، وفق ما نقلته BFMTV وEurope 1.
وقال روتايو: «لا يمكن أن تصبح فرنسيًا بالمصادفة، وفي الخفاء وبصورة تلقائية»، معتبرًا أن الحصول على الجنسية يجب أن يرتبط بإرادة واضحة وبالاندماج في المجتمع الفرنسي.
«الفرنسيون هم من سيحددون سياسة الهجرة»
وقال رئيس حزب الجمهوريين إنه يتعهد، في حال وصوله إلى الإليزيه، بأن يكون الفرنسيون أنفسهم أصحاب القرار في السياسة المتعلقة بالهجرة.
وأوضح: «أتعهد بأن الفرنسيين هم الذين سيحددون أخيرًا سياسة الهجرة».
وجاء هذا التعهد ضمن برنامج أوسع يطرحه روتايو للانتخابات الرئاسية المقبلة، ويتضمن استخدام الاستفتاءات بصورة أكبر في ملفات الهجرة والسياسة الجنائية.
وكان روتايو قد أعلن منذ يوليو/تموز الماضي تأييده الصريح لإنهاء droit du sol في فرنسا، إضافة إلى تشديد قواعد لمّ الشمل العائلي وشروط الحصول على بعض المساعدات الاجتماعية بالنسبة للأجانب.
لماذا يريد تعديل الدستور أولًا؟
المشكلة بالنسبة إلى روتايو هي أن المادة 11 من الدستور الفرنسي بصيغتها الحالية لا تنص صراحة على سياسة الهجرة أو السياسة الجنائية ضمن المجالات التي يمكن إخضاعها مباشرة لاستفتاء تشريعي.
وتسمح المادة حاليًا بالاستفتاء بشأن تنظيم السلطات العامة والإصلاحات المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والخدمات العامة، إضافة إلى بعض المعاهدات الدولية، وفق النص الرسمي للدستور الفرنسي على Légifrance.
ولهذا يقول روتايو إنه يريد أولًا تعديل الدستور بما يسمح بإجراء استفتاءات على قضايا الهجرة والسياسة الجنائية.
وقال إن اللجوء مباشرة إلى تصويت الشعب ضروري من وجهة نظره لأن «القضاة لن يقبلوا» مثل هذا التغيير إذا مر بالطرق التشريعية التقليدية وحدها.
تعديل الدستور ليس قرارًا يستطيع الرئيس اتخاذه وحده
لكن تنفيذ الخطة يتطلب المرور بمسار دستوري معقد.
فبموجب المادة 89 من الدستور الفرنسي، يجب أن يُعتمد مشروع تعديل الدستور بالنص نفسه في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ.
وبعد ذلك يصبح التعديل نهائيًا إما بعد موافقة الشعب عليه في استفتاء، أو — بالنسبة إلى مشروع تعديل دستوري مقدم من السلطة التنفيذية — بعد موافقة البرلمان مجتمعًا في الكونغرس بأغلبية ثلاثة أخماس الأصوات المعبر عنها إذا اختار الرئيس هذا المسار.
وبالتالي فإن انتخاب روتايو رئيسًا، بمفرده، لن يكون كافيًا لإجراء التغيير؛ إذ يحتاج أولًا إلى تجاوز هذه المرحلة الدستورية.
ماذا يعني «حق الأرض» في فرنسا اليوم؟
وهنا توجد نقطة مهمة لفهم حجم التغيير الذي يقترحه روتايو.
فخلافًا لما قد توحي به عبارة «الجنسية التلقائية بالولادة»، فإن الطفل المولود في فرنسا لأبوين أجنبيين مولودين في الخارج لا يصبح فرنسيًا بمجرد ولادته على الأراضي الفرنسية في الحالة العامة.
وتنص المادة 21-7 من القانون المدني الفرنسي على أن الطفل المولود في فرنسا لأبوين أجنبيين يكتسب الجنسية الفرنسية عند بلوغه 18 عامًا إذا كان يقيم في فرنسا في ذلك الوقت، وكان قد أقام فيها لمدة إجمالية لا تقل عن خمس سنوات منذ سن 11 عامًا.
كما يستطيع الشاب المطالبة بالجنسية بنفسه ابتداءً من عمر 16 عامًا إذا استوفى شروط الإقامة، ويمكن للوالدين طلبها باسمه ابتداءً من 13 عامًا، بشرط أن يكون قد عاش في فرنسا خمس سنوات منذ سن الثامنة.
حالة أخرى: «حق الأرض المزدوج»
هناك أيضًا قاعدة مختلفة تسمى غالبًا double droit du sol.
وتنص المادة 19-3 من القانون المدني على أن الطفل يكون فرنسيًا منذ الولادة إذا وُلد في فرنسا وكان أحد والديه على الأقل مولودًا هو أيضًا في فرنسا.
ولذلك فإن مصطلح «إلغاء droit du sol» يمكن أن يغطي أجزاء مختلفة من قانون الجنسية، ويظل من الضروري معرفة النص القانوني الذي سيقدمه روتايو فعليًا إذا وصل إلى السلطة لتحديد أي الحالات يريد إلغاءها بالتحديد.
روتايو يستشهد بما حدث في مايوت
واستشهد روتايو بجزيرة مايوت Mayotte قائلًا: «لقد ألغينا حق الأرض في مايوت، فلماذا ما هو جيد لمايوت لا يكون جيدًا للأراضي الفرنسية في البر الرئيسي؟»
لكن هنا توجد ملاحظة قانونية مهمة.
فالقانون الساري في مايوت لم يلغ droit du sol بالكامل.
بل شددت فرنسا شروط الحصول على الجنسية بالنسبة للأطفال المولودين هناك من أبوين أجنبيين.
ومنذ دخول التشديد الجديد حيز التنفيذ في مايو/أيار 2026، يشترط أن يكون الوالدان كلاهما مقيمين بصورة قانونية ومتواصلة في فرنسا منذ أكثر من سنة وقت ولادة الطفل، إذا كانت صلة النسب مثبتة لكليهما، وفق المرسوم الرسمي المنشور في Légifrance.
وكان النظام السابق يشترط إقامة قانونية لمدة ثلاثة أشهر على الأقل لأحد الوالدين.
وبالتالي تصف المصادر الحكومية والقانونية الرسمية التعديل بأنه «تشديد» أو «تقييد» لحق الأرض في مايوت، وليس إلغاءً كاملًا له.
«لا يمكن أن تصبح فرنسيًا بالمصادفة»
ويربط روتايو موقفه بمفهوم الاندماج assimilation.
وكان قد قال في تصريحات سابقة إن الجنسية يجب ألا تكون مجرد نتيجة إدارية أو جغرافية، وإن اكتسابها ينبغي أن يكون مرتبطًا بتبني قيم الجمهورية واللغة والثقافة الفرنسية.
كما سبق أن استخدم العبارة نفسها، «لا يصبح المرء فرنسيًا بالمصادفة»، خلال مناقشات رسمية في الجمعية الوطنية عندما كان وزيرًا للداخلية، مؤكدًا أن فرنسا في نظره تقوم على مفهوم مدني للجنسية وليس على أساس عرقي.
مشروع أوسع للهجرة والجريمة
ولا يقتصر مشروع روتايو على الجنسية.
فقد أعلن أنه يريد، في حال انتخابه، طرح مشروعين كبيرين على الفرنسيين بعد تعديل الدستور.
الأول يتعلق بخفض الهجرة وتشديد السياسة في هذا الملف.
والثاني يتعلق بسياسة جنائية أكثر صرامة.
وخلال المقابلة نفسها دعا أيضًا إلى خفض سن المسؤولية الجنائية إلى 15 عامًا بالنسبة لبعض الجرائم الخطرة، وقال إنه يريد فرض عقوبات سجن قصيرة على القاصرين منذ أول جريمة خطيرة.
ملف الجنسية يدخل قلب سباق 2027
ويضع الإعلان مسألة الجنسية والهجرة في قلب حملة الانتخابات الرئاسية الفرنسية قبل أشهر من الاقتراع.
وتسعى أحزاب اليمين واليمين المتطرف إلى جعل الهجرة والأمن من المحاور الرئيسية للحملة، بينما يطرح روتايو نفسه باعتباره صاحب خط يميني متشدد لكنه منفصل عن التجمع الوطني RN.
ومقترح إلغاء droit du sol، إذا تحول بالفعل إلى مشروع انتخابي مفصل، سيكون أحد أكبر التغييرات في قانون الجنسية الفرنسي منذ عقود.
لكن حتى الآن يبقى تعهدًا انتخابيًا يحتاج، لكي يصبح قانونًا، إلى تجاوز عقبات دستورية وتشريعية كبيرة قبل أن يصل أصلًا إلى الاستفتاء الذي يتحدث عنه روتايو.
