السويد.. خبير بارز في حرية التعبير: حكومة تيدو قيّدت حرياتنا وأضعفت ضمانات دولة القانون

يورو تايمز – ستوكهولم
وجه الصحفي والخبير السويدي في قضايا حرية التعبير نيلس فونكه Nils Funcke انتقادات حادة إلى حكومة تيدو قبيل الانتخابات البرلمانية، معتبرًا أنها اتخذت خلال ولايتها خطوات أدت، بحسب تقييمه، إلى تقييد الضمانات القانونية وحرية التعبير في السويد.
وجاءت تصريحات فونكه في مقال رأي نشره في Dagens Nyheter مساء الخميس 3 سبتمبر/أيلول، ونقلت أبرز مضامينه Omni.
ويرى فونكه أن حكومة تيدو واصلت حتى الأيام الأخيرة من الولاية اتخاذ خطوات تثير أسئلة حول سيادة القانون وحرية التعبير واستقلال القضاء والعلاقة بين السلطة السياسية ووسائل الإعلام.
وحذر من أن قوة حماية حرية التعبير في السويد على المستوى الدولي لا تعني أنها بمنأى عن التراجع، معتبرًا أن «حتى الديمقراطيات الراسخة يمكن أن تتآكل من الداخل».
انتقاد لمقترح يتعلق بأرباح المدانين من الكتب والموسيقى
ومن الأمثلة التي استند إليها فونكه مقترح حديث لحكومة تيدو يتعلق بالأشخاص المدانين بجرائم خطيرة الذين يحققون أرباحًا من خلال سرد جرائمهم في الموسيقى أو الكتب أو الأفلام أو المسلسلات أو غيرها من الأشكال التجارية.
وكانت الحكومة قد كلفت رسميًا لجنة تحقيق بدراسة إمكانية منع مرتكبي الجرائم الخطيرة من تحقيق مكاسب اقتصادية من تصوير جرائمهم السابقة بطريقة تعتبرها الدولة مسيئة أو تنتهك خصوصية الضحايا.
وتوضح التوجيهات الرسمية للحكومة المنشورة لدى البرلمان السويدي أن الأمر قد يشمل الموسيقى والأفلام والمسلسلات والمقابلات والكتب وغيرها من أشكال السرد الذاتي المرتبطة بجرائم خطيرة.
لكن فونكه يرى في هذا التوجه مثالًا جديدًا على سياسة يمكن أن تمس نطاق حرية التعبير، حتى لو كان الهدف المعلن هو حماية ضحايا الجرائم ومنع الجناة من الاستفادة ماليًا من الجرائم التي ارتكبوها.
الحكومة: لا يجوز المساس بالصحافة أو التعبير الفني
وفي المقابل، تؤكد الحكومة نفسها في التوجيهات الرسمية أن أي نظام جديد لا يجوز أن يستخدم لمنع التعبير عن الرأي أو الصحافة أو الأعمال الفنية، وأن التدخل المحتمل يجب أن يستهدف المكسب المالي وليس التعبير نفسه.
كما شددت الحكومة على أن أي مقترح نهائي يجب أن يكون متوافقًا مع الدستور السويدي والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وقانون الاتحاد الأوروبي والالتزامات الدولية للسويد.
وتنص المهمة أيضًا على إجراء تقييم دقيق لتأثير أي تشريع على الحقوق والحريات الأساسية، ولا تشمل مهمة اللجنة اقتراح تعديلات على الدستور.
فونكه ينتقد تدخل وزراء في قضايا قضائية
ولا تقتصر انتقادات فونكه على التشريعات المقترحة، إذ يقول أيضًا إن وزراء أفرادًا تدخلوا بتصريحاتهم في قضايا قانونية كانت لا تزال قيد النظر، وهو ما يعتبره إشكاليًا من زاوية الفصل بين السلطة السياسية والقضاء.
وكان فونكه قد أثار هذه القضية سابقًا عندما طالب بتدقيق تصريحات لوزيرة الخارجية ماريا مالمير ستينرغارد Maria Malmer Stenergard حول قضية ناشط اتُهم بتنفيذ تحركات احتجاجية خارج منزلي وزيرين.
ورأى فونكه آنذاك أن التصريحات السياسية حول قضية لا تزال أمام القضاء يمكن أن تثير تساؤلات بشأن التأثير في العملية القضائية.
كما انتقد سابقًا طريقة التعامل مع القضية نفسها من منظور حرية التعبير، معتبرًا أن بعض التصرفات التي كانت موضوع المحاكمة ينبغي أن تحصل على حماية أوسع باعتبارها شكلًا من أشكال الاحتجاج السياسي.
انتقاد لاستهداف وسائل إعلام وصحفيين
ويتهم فونكه كذلك مسؤولين سياسيين خلال الولاية الحالية باستهداف وسائل إعلام وصحفيين بسبب أعمالهم الرقابية.
وجاء في مقدمة مقال DN Debatt أن فونكه يرى أن وزراء تدخلوا في قضايا قانونية جارية وهاجموا وسائل إعلام وصحفيين عندما قاموا بعمليات تدقيق أو تحقيق صحفي.
وكان فونكه قد انتقد في يوليو/تموز وزير الدفاع المدني كارل-أوسكار بوهلين Carl-Oskar Bohlin بعد تصريحات تتعلق بصحفي في Aftonbladet، معتبرًا أن تدخل الوزراء في تقييم عمل الصحفيين يمكن أن يثير قضايا مبدئية تتعلق باستقلال الصحافة.
فونكه: المسألة أكبر من قانون واحد
ويضع فونكه هذه التطورات ضمن نقاش أوسع حول التحولات التي شهدتها الحريات الدستورية في السويد خلال السنوات الأخيرة.
وفي مقابلة سابقة مع مجلة Advokaten، قال إن تغييرات قانونية متعددة منذ عام 2015 أثرت بدرجات مختلفة في منظومة حرية التعبير وحرية الحصول على المعلومات وحماية المصادر.
وتشمل القضايا التي ناقشها فونكه خلال السنوات الأخيرة قوانين التجسس الخارجي، وحماية المصادر والمبلغين، والسرية، وحرية تكوين الجمعيات، وحرية الأجانب في التعبير، إضافة إلى طريقة إعداد بعض التشريعات.
لكن من المهم الإشارة إلى أن جزءًا من التغييرات التي ينتقدها فونكه بدأ قبل حكومة تيدو الحالية، ولذلك لا ينسب جميع التحولات التي شهدتها منظومة حرية التعبير منذ 2015 إلى الحكومة الحالية وحدها.
الليبراليون يقدمون صورة معاكسة تمامًا
وفي المقابل، يقدم حزب الليبراليين، أحد أحزاب حكومة تيدو، تقييمًا مختلفًا جذريًا لفترة السنوات الأربع الماضية.
فقد قالت زعيمة الحزب سيمونا موهامسون Simona Mohamsson في تقييم رسمي نشره الحزب في 3 سبتمبر إنه «لا توجد حكومة أخرى في العصر الحديث فعلت أكثر من أجل الحرية في السويد».
وأشار الليبراليون إلى مجموعة من الإصلاحات التي يعتبرونها تعزيزًا للحرية، من بينها تقوية استقلال المحاكم، والعمل على إدخال حماية دستورية لحق الإجهاض، وإلغاء بعض القيود القديمة، إضافة إلى إصلاحات في التعليم والاقتصاد.
وبذلك يتحول مفهوم «الحرية» نفسه إلى إحدى نقاط الخلاف في التقييم السياسي للسنوات الأربع الماضية: ففي الوقت الذي يرى فونكه أن سلسلة من الإجراءات أضعفت بعض الضمانات الأساسية لدولة القانون وحرية التعبير، تقول أحزاب حكومية إن الفترة نفسها شهدت إصلاحات عززت حرية الأفراد والمؤسسات.
من هو نيلس فونكه؟
ويُعد نيلس فونكه من أبرز الأسماء السويدية المتخصصة في قوانين الصحافة وحرية التعبير.
وبحسب سيرته المهنية، عمل صحفيًا ورئيس تحرير وكاتبًا، وشغل منصب سكرتير تحقيق في اللجنة البرلمانية لحرية التعبير التي أعدت تقريرها في 2012، كما عمل مدرسًا جامعيًا في جامعة ستوكهولم بين عامي 2015 و2021، وله عدد من الكتب المتخصصة في حرية الصحافة ومبدأ علنية الوثائق وحرية التعبير.
وتأتي انتقاداته الجديدة قبل أيام قليلة من الانتخابات السويدية المقررة في 13 سبتمبر/أيلول 2026، ما يضع النقاش حول الحقوق الأساسية ودولة القانون إلى جانب ملفات الجريمة والهجرة والاقتصاد ضمن الجدل حول حصيلة حكومة تيدو ومستقبل السياسة السويدية بعد الانتخابات.
