د. علي الجابري: ماذا تحقـق للنظـام الإيراني من إستهـداف دول الخـليـج؟

منذ اندلاع المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بدا واضحاً أن النظام الإيراني يتخبط في قراراته العسكرية والسياسية. فبدلاً من توجيه كامل ترسانته من الطائرات المسيّرة والصواريخ نحو خصومه المباشرين الذين يخوض معهم الحرب، اختار توسيع دائرة الاستهداف لتشمل دول الخليج العربية، عبر هجمات طالت أو حاولت استهداف مطارات مدنية وفنادق وبنايات سكنية، بذريعة ضرب “المصالح الأمريكية”.
غير أن هذه الذريعة بدت ضعيفة أمام الرأي العام الدولي، بل وحتى أمام المتابعين في المنطقة. فالعالم بأسره شاهد أن هذه الضربات لم تكن موجهة إلى أهداف عسكرية أمريكية واضحة بقدر ما طالت بنى مدنية واقتصادية في دول الخليج. وهكذا تحولت هذه العمليات من محاولة للضغط العسكري إلى خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول منطقها وجدواها.
أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً يتعلق بالثمن العسكري الذي دفعته إيران نتيجة هذا الخيار. فقد أطلقت طهران آلاف الطائرات المسيّرة والصواريخ، وهي قدرات كان من المفترض – وفق منطق الحرب – أن تُستخدم ضد الخصم الذي يواجهها مباشرة ويستهدف قدراتها العسكرية بشكل يومي. غير أن تحويل هذا الكم الكبير من السلاح نحو دول الخليج منح خصمها الرئيسي، إسرائيل، متنفساً واضحاً.
ولو افترضنا أن الجزء الأكبر من هذه الترسانة وُجه نحو إسرائيل، لكان من الممكن أن يشكل ضغطاً كبيراً على منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية ويستنزف قدراتها بشكل ملحوظ. أما في الواقع، فقد بدا المشهد مختلفاً تماماً؛ إذ رأت إسرائيل النظام الإيراني يستهلك جزءاً كبيراً من مخزونه العسكري في جبهات جانبية لا تغيّر ميزان المعركة الأساسية.
ولا يقتصر الضرر على استنزاف الذخائر فحسب. فإطلاق هذا الكم الكبير من الصواريخ والمسيّرات أدى أيضاً إلى كشف عدد كبير من منصات الإطلاق ومواقعها، ما سهّل على الخصوم تحديدها واستهدافها وتدمير العديد منها. وبذلك تحولت الضربات التي كان يُفترض أن تشكل عنصر قوة إلى عامل كشف وإضعاف للقدرات العسكرية الإيرانية.
سياسياً، دفع النظام الإيراني ثمناً آخر لا يقل أهمية. فقد خسر جزءاً كبيراً من التعاطف الدولي الذي كان يحظى به في بعض الأوساط، خاصة لدى الدول التي كانت تعارض توسيع الحرب أو مهاجمة إيران. إذ إن استهداف دول الخليج، التي لم تكن طرفاً مباشراً في القتال، أعطى انطباعاً بأن طهران توسع نطاق الصراع دون مبرر واضح.
أما الخسارة الأكثر عمقاً فقد تكون على مستوى العلاقات مع الجوار الخليجي. فهذه الدول – رغم الخلافات التاريخية – حاولت خلال السنوات الأخيرة، وحتى اللحظات التي سبقت اندلاع الحرب، تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران. غير أن استهداف مدنها ومنشآتها المدنية سيترك أثراً عميقاً في الذاكرة الشعبية الخليجية، وقد ينعكس سلباً على العلاقات لعقود مقبلة.
وفي المحصلة، تبدو هذه السياسة أقرب إلى مغامرة عالية الكلفة وقليلة الجدوى. فبدلاً من إضعاف الخصوم الرئيسيين، أسهمت في استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية، وكشفت مواقعها الدفاعية، وأضعفت موقفها السياسي، وأدخلت دول الخليج – وشعوبها – في دائرة خصومة جديدة.
يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من المراقبين: ما الذي كان يراهن عليه صناع القرار في طهران؟ هل كان الهدف دفع دول الخليج إلى الضغط على الولايات المتحدة لوقف الحرب؟ وإذا كان هذا هو الرهان، فهل كان من الواقعي الاعتقاد أن استهداف هذه الدول سيقودها إلى الضغط على واشنطن بدلاً من تعزيز تعاونها الأمني معها؟
أسئلة كثيرة تطرح نفسها اليوم، لكن المؤكد أن ما حدث سيُسجل في ذاكرة المنطقة كأحد أكثر القرارات العسكرية والسياسية إثارة للجدل في مسار هذا الصراع.
رئيس تحرير صحيفة يورو تايمز السويدية
