فرنسا.. 77% مستعدون لإجراءات مالية «صعبة» لكنهم يرفضون رفع الضرائب

يورو تايمز – باريس
أظهر استطلاع جديد للرأي أن غالبية واسعة من الفرنسيين باتت مستعدة لقبول إجراءات مالية موجهة وحتى «صعبة» لخفض العجز وإنقاذ المالية العامة، شرط ألا تتحول الخطة إلى زيادة عامة جديدة في الضرائب، في مؤشر على تصاعد القلق الشعبي بشأن حجم الدين الفرنسي قبل إعداد ميزانية 2027.
وبحسب الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة Ifop بتكليف من الحكومة الفرنسية وكُشفت نتائجه الثلاثاء 1 سبتمبر/أيلول، قال 77 بالمئة من المشاركين إنهم يفضلون اتخاذ عدة إجراءات موجهة وصعبة الآن، بدلاً من الانتظار حتى تصبح البلاد مضطرة لاحقاً إلى إجراءات عامة «أكثر قسوة بكثير».
وفي المقابل، رأى 23 بالمئة أنه من الأفضل الانتظار وعدم اتخاذ تلك الإجراءات في الوقت الراهن.
61 بالمئة: خفض النفقات من دون رفع الضرائب
وتكشف النتائج عن رسالة واضحة إلى الحكومة بشأن الطريقة التي يريد الفرنسيون معالجة العجز من خلالها.
فقد قال 61 بالمئة إن الحل الأفضل هو خفض بعض النفقات العامة بصورة أساسية من دون زيادة الضرائب.
وفي الوقت نفسه، يريد 78 بالمئة ترك المجال لمرشحي الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2027 لكي يقدم كل منهم مقترحاته الخاصة بشأن السياسة الضريبية، بدلاً من إدخال حزمة ضريبية كبيرة جديدة قبل الانتخابات.
ويأتي الاستطلاع في وقت تستعد فيه الحكومة الفرنسية لإعداد ميزانية 2027 في ظروف مالية شديدة الصعوبة وقبل نحو ثمانية أشهر من الانتخابات الرئاسية.
وقد عرض المدير العام لمؤسسة Ifop فريديريك دابي Frédéric Dabi النتائج على الحكومة خلال اجتماع عمل عُقد الاثنين لمناقشة مشروع الميزانية المقبلة.
الفرنسيون يريدون حماية الصحة والتعليم والأمن والدفاع
ورغم استعداد الناخبين لقبول خفض النفقات، فإنهم لا يريدون أن يشمل التقشف جميع القطاعات بالطريقة نفسها.
وقال 56 بالمئة إنهم يفضلون مطالبة عدد كبير من الوزارات والسلطات المحلية ببذل جهد مالي مماثل، لكن مع حماية عدد من القطاعات ذات الأولوية.
وتشمل المجالات التي يرغب الفرنسيون في تجنيبها التخفيضات بصورة أساسية: الصحة، والتعليم، والشرطة والدرك، والدفاع، والتكيف مع تغير المناخ.
الصحة أكثر الملفات إثارة للقلق
ويظهر هذا التناقض بصورة أوضح عندما تصل الأسئلة إلى التأمين الصحي.
فقد أيد 51 بالمئة فقط خفض مستوى التعويض عن الأدوية التي تعتبر غير فعالة، مقابل معارضة 48 بالمئة.
كما وافق 52 بالمئة على زيادة الحد الأقصى للمبالغ التي يتحملها المريض بنفسه ضمن ما يعرف بالـfranchises médicales.
لكن التأييد يرتفع بشكل واضح عندما يتعلق الأمر بما يعتبره الفرنسيون إساءة استخدام للنظام، إذ قال 73 بالمئة إنهم يريدون من الحكومة مكافحة التجاوزات المرتبطة بالإجازات المرضية.
84 بالمئة يريدون توجيه الإعانات العائلية حسب الدخل
وأيد 84 بالمئة من الفرنسيين تحسين استهداف بعض الإعانات العائلية وفق مستوى دخل الأسرة، على أن تُستخدم الأموال المتاحة بصورة أكبر لتمويل دور الحضانة وخدمات رعاية الأطفال.
ويشير ذلك إلى أن قطاعات واسعة من الرأي العام لا ترفض خفض أو إعادة توجيه الإنفاق الاجتماعي من حيث المبدأ، لكنها تفضل أن يكون ذلك انتقائياً وموجهاً بحسب الدخل والحاجة.
65 بالمئة يريدون تسوية سياسية للميزانية
وقال 65 بالمئة إنهم يفضلون توصل القوى السياسية إلى حل وسط بشأن الميزانية حتى لو كان غير مثالي.
وفي المقابل، رأى 35 بالمئة أن بإمكان فرنسا الاستمرار حتى صيف 2027 بواسطة قانون خاص يمدد جزئياً الوضع المالي القائم إذا تعذر التوصل إلى اتفاق سياسي.
71 بالمئة يرون الإجراءات ضرورية.. و52 بالمئة يعتبرونها «عنيفة»
ويعتبر 71 بالمئة أن الخطوط العامة للميزانية المقترحة «ضرورية» لمعالجة وضع المالية العامة.
لكن في المقابل، وصف 52 بالمئة هذه الإجراءات بأنها «عنيفة» أو شديدة القسوة.
وهذا يعني أن غالبية الفرنسيين تبدو مقتنعة بضرورة التحرك، لكنها غير مرتاحة إلى الثمن الاجتماعي الذي قد تفرضه عملية خفض العجز.
74 بالمئة يريدون مساهمة أكبر من السلطات المحلية الأكثر ثراءً
وقال 74 بالمئة إن السلطات المحلية الأكثر ثراءً ينبغي أن تتحمل مساهمة مالية أكبر من المناطق الأقل قدرة.
واعتبر تحليل داخلي أرفقته الحكومة بالاستطلاع أن هذا المقترح يمكن أن يمثل نقطة تسوية سياسية، كما خلص إلى أن أي اتفاق على الميزانية المقبلة ينبغي على الأرجح ألا يُبنى حول حزمة ضريبية كبيرة.
القلق من الدين العام يرتفع بقوة
وتظهر بيانات رسمية حديثة أن نسبة الفرنسيين الذين يشعرون بقلق كبير أو ملحوظ من مستوى الدين العام ارتفعت من 52 بالمئة عام 2023 إلى 70 بالمئة في 2025.
كما ارتفعت نسبة من يرون أن خفض عجز الضمان الاجتماعي أهم من الحفاظ على المستوى الحالي للتعويضات والمزايا، فيما اعتبر 71 بالمئة أن نظام الضمان الاجتماعي يكلف المجتمع أكثر مما ينبغي.
الدين الفرنسي يتجاوز 3.5 تريليونات يورو
وبحسب المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء INSEE، بلغ الدين العام الفرنسي في نهاية الربع الأول من 2026 نحو 3.536 تريليون يورو، أي ما يعادل 117.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وكانت النسبة تبلغ 115.7 بالمئة في نهاية 2025، فيما ارتفع الدين خلال الربع الأول بنحو 75.6 مليار يورو.
وتتوقع Banque de France أن يبلغ العجز العام نحو 5.2 بالمئة من الناتج المحلي في 2026 إذا لم تُتخذ إجراءات إضافية، وأن يستمر الدين في الارتفاع ليقترب من 122 بالمئة من الناتج المحلي بحلول نهاية 2028.
رسالة مزدوجة للحكومة قبل رئاسيات 2027
وترسم نتائج الاستطلاع صورة لرأي عام فرنسي أصبح أكثر إدراكاً لخطورة وضع المالية العامة، وأكثر استعداداً لقبول إجراءات لم يكن من السهل تمريرها سياسياً قبل سنوات.
لكن الرسالة الأساسية التي تظهر من الأرقام هي: تحركوا الآن، وخفضوا الإنفاق حيث يمكن ذلك، وحاربوا الهدر والتجاوزات، ووجّهوا المساعدات بصورة أفضل، لكن لا تجعلوا زيادة الضرائب على الجميع هي الحل الأول ولا تمسوا بصورة عشوائية الخدمات الأساسية.
وهذه المعادلة ستجعل ميزانية 2027 واحدة من أكثر الملفات حساسية في المرحلة الأخيرة من عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، وفي الوقت نفسه ملفاً مركزياً في الحملة الرئاسية الفرنسية المقبلة.
كيف أُجري الاستطلاع؟
أجرت مؤسسة Ifop الاستطلاع عبر الإنترنت يومي 25 و26 أغسطس/آب 2026 على عينة مكونة من 1000 شخص تمثل السكان الفرنسيين باستخدام طريقة الحصص.
وتتراوح هامشية الخطأ المعلنة بين 1.4 و3.1 نقاط مئوية بحسب النتيجة المقاسة.
ومن المهم الإشارة إلى أن الاستطلاع أُجري بطلب من الحكومة الفرنسية نفسها، وهي التي أعلنت نتائجه في 1 سبتمبر/أيلول.
