آراء

نزار العوصجي: روبيو و«بلقنة العراق».. هل دخل ملف الميليشيات مرحلة كسر المحظورات؟

يقرأ نزار العوصجي تحذير ماركو روبيو من «بلقنة العراق» في سياق الضغوط لحصر السلاح بيد الدولة، ويناقش دلالاته على السيادة ووحدة الدولة ومستقبل نفوذ الفصائل المسلحة.

 

لم تكن عبارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، حين حذّر من ضرورة نزع سلاح الميليشيات لتفادي «بلقنة العراق»، مجرد توصيف عابر للوضع العراقي، ولا تبدو كلمة «Balkanization» اختياراً لغوياً عفوياً، ففي السياسة الدولية، للكلمات دلالاتها، وبعض المصطلحات تحمل في داخلها تحذيراً يتجاوز معناها المباشر.

حين تقول واشنطن إن على العراق نزع سلاح الفصائل المسلحة، فهذا يعني ظاهرياً مطلباً معروفاً: حصر السلاح بيد الدولة.

لكن حين تربط واشنطن استمرار السلاح خارج الدولة باحتمال «بلقنة العراق»، فإنها ترفع المسألة إلى مستوى آخر: مستوى وحدة الدولة العراقية نفسها ومستقبلها السياسي والجغرافي.

وقد جاء تصريح روبيو في سياق واضح؛ فقبل ذلك بيوم، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن روبيو ورئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي اتفقا على أهمية «تفكيك الميليشيات الإرهابية»، ومنع الهجمات من الأراضي العراقية، وممارسة العراق سيادته بصورة كاملة.

ثم جاء تصريح روبيو في 23 أيلول/سبتمبر ليضع المصطلح الأكثر حساسية: «بلقنة العراق».

وقد نقلت شفق نيوز عنه تأكيده على ضرورة نزع سلاح الميليشيات لتفادي هذا السيناريو، أي تفتيت العراق إلى كيانات أصغر متنافسة على أسس عرقية أو مذهبية أو طائفية.

«حين تربط واشنطن استمرار السلاح خارج الدولة باحتمال بلقنة العراق، فإنها ترفع المسألة إلى مستوى وحدة الدولة العراقية نفسها ومستقبلها السياسي والجغرافي.»

ما الذي تعنيه «البلقنة» في الحالة العراقية؟

البلقنة ليست مجرد انقسام سياسي.

المصطلح يُستخدم تاريخياً لوصف تفكك دولة أو منطقة متعددة المكونات إلى كيانات أصغر، غالباً نتيجة الصراع بين القوى والهويات والمراكز المسلحة والسياسية.

ومن هنا تكتسب العبارة الأميركية خطورتها، فالعراق لا يعاني فقط من تعدد القوى السياسية، وإنما من وجود قوى مسلحة تمتلك، بدرجات متفاوتة، قدرات عسكرية وتنظيمية وسياسية واقتصادية، وبعضها مرتبط بصورة وثيقة بإيران وفق تقارير وتحليلات دولية حديثة.

وبالتالي فإن السؤال الذي تطرحه واشنطن لم يعد: من يملك السلاح؟
بل أصبح: من يملك القرار داخل الدولة العراقية؟

الرسالة الأميركية تتجه إلى جوهر المشكلة

من المهم هنا عدم تحميل تصريح روبيو أكثر مما قاله حرفياً.

هو لم يقل إن العراق سيُقسّم حتماً، ولم يقل إن الولايات المتحدة قررت تقسيم العراق، كما أنه لم يسمِّ في تصريحه طائفة عراقية بعينها أو إيران بوصفها الجهة المسؤولة عن احتمال «البلقنة».

لكن وضع تصريحاته في سياق الموقف الأميركي الأوسع يكشف أن واشنطن تنظر إلى السلاح الخارج عن سيطرة الدولة بوصفه مشكلة تتعلق بالسيادة العراقية، وليس مجرد ملف أمني داخلي، وهذه نقطة جوهرية.

فالولايات المتحدة لا تطالب فقط بجمع الأسلحة، وإنما تتحدث عن تفكيك الميليشيات وعن منع استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات وعن ممارسة الدولة لسيادتها كاملة.

وهذا يعني أن القضية المطروحة، في الرؤية الأميركية، تتعلق ببنية الدولة نفسها.

وماذا عن إيران؟

هنا تقع النقطة الأكثر حساسية.

فالتقارير الدولية الحالية تشير صراحة إلى وجود فصائل عراقية مسلحة ذات علاقات وثيقة بإيران، وبعض أبرزها رفض حتى الآن التخلي عن سلاحه، فيما قبلت فصائل أخرى، بدرجات مختلفة، مبدأ وضع السلاح تحت سلطة الدولة.

ولهذا يصعب فصل ملف الميليشيات العراقية عن العلاقة العراقية ـ الإيرانية.

لكن من الناحية التحليلية، يجب التمييز بين أمرين:

الأول: ما تقوله واشنطن علناً: السلاح يجب أن يكون تحت سلطة الدولة العراقية.

الثاني: القراءة السياسية لهذا الموقف: أن واشنطن تستهدف، من خلال هذا المطلب، تقليص قدرة القوى المرتبطة بإيران على امتلاك مراكز قوة عسكرية مستقلة داخل العراق.

والأخير استنتاج سياسي تدعمه طبيعة القوى المعنية وسياق المواجهة الأميركية ـ الإيرانية، لكنه ليس اقتباساً مباشراً من روبيو في تصريحه عن «البلقنة».

«المشكلة الأعمق هي ازدواجية السلطة: دولة لها مؤسساتها الرسمية، وفي الوقت نفسه مراكز قوة مسلحة تستطيع التأثير في القرار السياسي والأمني والاقتصادي.»

العراق أمام اختبار الدولة

المفارقة أن رئيس الوزراء العراقي نفسه أعلن أن حصر السلاح بيد الدولة ليس مسألة اختيارية، بل «ضرورة»، كما أكدت حكومته أن جميع الأسلحة ينبغي أن تكون تحت سلطة الدولة.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى:

إذا كان مبدأ حصر السلاح بيد الدولة مبدأً دستورياً وسيادياً عراقياً، فلماذا أصبح تنفيذه يحتاج إلى ضغط أميركي ودولي؟

هذا هو السؤال الحقيقي، فالدولة التي تمتلك دستوراً وجيشاً وقوات أمن ووزارة دفاع ووزارة داخلية ومؤسسات قضائية، لا تستطيع أن تكون دولة مكتملة السيادة إذا بقيت إلى جانب مؤسساتها الرسمية قوى مسلحة تمتلك قرار الحرب والسلم بصورة مستقلة.

تمديد المهلة لا يلغي المشكلة

وكان رئيس الوزراء قد جعل نهاية أيلول/سبتمبر موعداً سابقاً لإنجاز عملية حصر السلاح، قبل أن يجري الحديث عن تمديد العملية حتى حزيران/يونيو 2027 ضمن خطة مرحلية.

وهذا التمديد يكشف حجم التعقيد.

فالمشكلة ليست في إصدار قرار حكومي، وإنما في قدرة الحكومة على تنفيذ القرار عندما يتعلق الأمر بفصائل تمتلك قوة عسكرية وسياسية وتنظيمية مستقلة.

وتشير التقارير إلى أن بعض الفصائل المرتبطة بإيران لا تزال تقاوم عملية نزع السلاح، فيما أعلنت فصائل أخرى استعداداً لوضع أسلحتها تحت سلطة الدولة.

لماذا استخدم روبيو كلمة «البلقنة»؟

هنا تكمن الرسالة الأهم، كان بإمكان وزير الخارجية الأميركي أن يقول: «نزع سلاح الميليشيات ضروري لاستقرار العراق».

لكنه اختار تعبيراً أكثر عمقاً وخطورة: «لتفادي بلقنة العراق».

وهذا التعبير يفتح الباب أمام قراءة مفادها أن استمرار وجود مراكز مسلحة مستقلة داخل الدولة قد يؤدي، على المدى البعيد، إلى إضعاف المركز، وتثبيت مناطق نفوذ، وتحويل الانقسامات السياسية والمذهبية إلى وقائع أمنية وجغرافية.

وهذا لا يعني أن تقسيم العراق أصبح قراراً أميركياً.

بل يعني، على العكس، أن واشنطن تقول إن الحفاظ على عراق موحد يتطلب وجود سلطة دولة واحدة وسلاح دولة واحد.

الرسالة إلى بغداد، وإلى القوى المسلحة

لذلك يمكن النظر إلى كلام روبيو باعتباره رسالة مزدوجة.

إلى الحكومة العراقية: لديكم دعم واشنطن إذا اتجهتم فعلياً إلى بناء دولة ذات سيادة وحصر السلاح بالمؤسسات الرسمية.

وإلى القوى المسلحة: إن استمرار وجودكم كقوى عسكرية مستقلة لا يُنظر إليه في واشنطن بوصفه مجرد شأن داخلي عراقي، بل باعتباره جزءاً من مشكلة أوسع تمس سيادة العراق واستقراره ومستقبله.

وهنا تصبح إيران حاضرة في خلفية المشهد، ليس بالضرورة لأنها ذُكرت في تصريح روبيو، وإنما لأن عدداً من أقوى الفصائل التي تواجه ملف نزع السلاح موصوفة في المصادر الدولية بأنها مرتبطة بطهران.

العراق بين نموذج الدولة ونموذج مراكز النفوذ

المشكلة العراقية الحقيقية لا تختصر في «الميليشيات» بوصفها تشكيلات عسكرية.

المشكلة الأعمق هي ازدواجية السلطة، دولة لها مؤسساتها الرسمية، وفي الوقت نفسه مراكز قوة مسلحة تستطيع التأثير في القرار السياسي والأمني والاقتصادي.

ومتى أصبح السلاح وسيلة لحماية النفوذ السياسي، وأصبح النفوذ السياسي وسيلة لحماية السلاح، تنشأ دائرة مغلقة يصعب معها بناء دولة طبيعية.

ولهذا فإن المعركة على السلاح هي في جوهرها معركة على طبيعة الدولة العراقية.

هل تكون الدولة هي المرجعية الوحيدة؟
أم تبقى الدولة واحدة من عدة مراكز قوة؟

«المعركة على السلاح هي في جوهرها معركة على طبيعة الدولة العراقية: هل تكون الدولة هي المرجعية الوحيدة، أم تبقى واحدة من عدة مراكز قوة؟»

خلاصة القول

إن عبارة ماركو روبيو عن «بلقنة العراق» تستحق أن تُقرأ بعناية، لا باعتبارها إعلاناً أميركياً عن مشروع لتقسيم العراق، فهذا استنتاج لا يثبته التصريح نفسه، وإنما باعتبارها تحذيراً أميركياً واضحاً من أن استمرار تعدد مراكز السلاح والقوة قد يهدد وحدة الدولة وسيادتها.

والرسالة الأكثر وضوحاً في الموقف الأميركي الحالي ليست: «نريد تقسيم العراق».

بل: «إذا أردتم الحفاظ على عراق موحد ذي سيادة، فعليكم أن تجعلوا الدولة صاحبة القرار الوحيد في السلاح والأمن والسيادة».

أما السؤال الأصعب، فهو: هل تستطيع الطبقة السياسية العراقية أن تفصل فعلاً بين الدولة وبين القوى المسلحة التي أصبحت جزءاً من بنية النفوذ السياسي؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي الذي بدأ يفرض نفسه على العراق، وربما لهذا السبب تحديداً أصبحت كلمة واحدة مثل «Balkanization» تحمل كل هذا القدر من الدلالات.

مقالات سابقة للكاتب

نزار العوصجي: من المظلومية إلى المحاصصة

نزار العوصجي: من سنمّار إلى زمننا

نزار العوصجي: هل أنتم سياسيون حقاً؟

زر الذهاب إلى الأعلى