د. عبدالرزاق محمد الدليمي: رؤية كيسنجر للشرق الأوسط

قدم هنري كيسنجر في كتابه “النظام العالمي” (World Order) الصادر ٢٠١٤ تحليلاً عميقاً للشرق الأوسط مستنداً إلى رؤيته الواقعية السياسية وتاريخ النظام الدولي المنبثق عن صلح وستفاليا عام 1648.
راى كيسنجر أن الشرق الأوسط يعيش حالة من الفوضى الشاملة بسبب صدام ثلاث مفاهيم للنظام:
1.مفهوم الدولة الوطنية الحديثة
2. مفهوم الإمبراطورية العقائدية (الإسلام السياسي والإيدولوجيات الثورية)
3.الصراعات الطائفية.
أبرز الاستنتاجات حول المنطقة:
طبيعة أزمة الشرق الأوسط: وضح كيسنجر أن المنطقة تعاني من مشكلة تفكك نظام الدولة الوطنية (الذي وُضع بعد الحرب العالمية الأولى باتفاقية سايكس-بيكو). أدى سقوط السلطة المركزية في عدة دول إلى الفراغ الناجم عن التنافس الطائفي والإيدولوجي مما يعيد المنطقة لظروف شبيهة بحرب الثلاثين عاماً في أوروبا قبل إقرار النظام الويستفالي.
نظام إيران (بين الدولة والقضية):
اعتقد كيسنجر أن مشكلة إيران الجوهرية تكمن في تحديد هويتها ! هل هي دولة ضمن حدودها تسعى لتوازن القوى أم قضية عقائدية ثورية تسعى للهيمنة الإقليمية وتجاوز الحدود؟ كما وحذر من أن التمدد الإيراني عبر ميليشياتها في العراق وسوريا ولينان واليمن الأمر الذي يهدد بشكل مباشر ميزان القوى الإقليمي. وأن أي اتفاق أو تفاوض مع إيران يجب أن يلزمها بالتحول الكامل إلى دولة وطنية تقليدية والتخلي عن مشروعها الإمبراطوري العقائدي.
العراق وفشل بناء الدولة:
رأى كيسنجر أن الغزو الأمريكي واحتلاله للعراق عام 2003 وتفكيك مؤسسات الدولة السابقة دون وجود رؤية جيوسياسية لليوم التالي كان خطأً إستراتيجياً كبيراً.أدى تفكيك العراق الواحد القوي وإلى تدمير الحاجز التاريخي والتوازني الوحيد الذي كان يمنع التمدد الإيراني نحو العالم العربي.
يرى أن العراق تحول إلى ساحة صراع طائفي ومسرح رئيسي للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية بدلاً من أن يكون دولة مستقرة.
دول الخليج العربي والتوازن الإقليمي:
أكد كيسنجر في كتابه أن دول الخليج العربي (وعلى رأسها السعودية) تمثل الركيزة الأساسية للاستقرار التقليدي والمفهوم الويستفالي للدولة في المنطقة.وأن هذه الدول تواجه ضغوطاً مزدوجة كتهديدات الأمن الإقليمي الصادرة عن إيران والجماعات المتطرفة من جهة والتحولات والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية من جهة أخرى.ويشدد على ضرورة تحالف الولايات المتحدة مع دول الخليج لمواجهة الفراغ الإستراتيجي معتبراً أن انسحاب واشنطن أو تقليل التزامها الأمني في الخليج يفتح المجال لظهور أزمات أعمق وتدخل قوى أخرى مثل الصين وروسيا.
الرؤية الإستراتيجية لكيسنجر: لن يتحقق الاستقرار في الشرق الأوسط إلا عبر بناء توازن قوى جديد تعترف فيه جميع الأطراف المترابطة بالمفهوم الحديث للسيادة والدولة والحد من طموحات الجماعات العابرة للحدود أو الدول التي تصدر أيديولوجيات ثورية.
مالذي قصده كيسنجر بالاستقرار لن يحدث في الشرق الأوسط إلا عبر بناء توازن قوى جديد تعترف فيه جميع الأطراف المترابطة بمفهوم السيادة والدولة
قصد هنري كيسنجر بهذه العبارة تطبيق المفهوم الويستفالي على الشرق الأوسط وهو النظام السياسي الذي أنهى حرب الثلاثين عاماً الدينية في أوروبا عام 1648 وأسس لأسس السياسة الدولية الحديثة.
لتوضيح الفكرة بالتفصيل يرى كيسنجر أن تحقيق الاستقرار يتطلب تحقيق ثلاثة أركان رئيسية:
- القبول بمفهوم السيادة والدولة الوطنية أي تجاوز الأيديولوجيا والمقصد أن تتصرف جميع القوى الإقليمية كدول ذات حدود محددة تمارس سلطتها داخل أراضيها وتلتزم بقواعد القانون الدولي بدلاً من أن تتصرف كحركات ثورية أو مشاريع إمبراطورية عابرة للحدود؟!
لذا التطبيق على الواقع يجب أن يكون :-
إيران: يتطلب الاستقرار أن تتخلى إيران عن فكرة تصدير الثورة ورعاية الميليشيات المسلحة في الدول المجاورة (كالعراق وسوريا ولبنان واليمن) وأن تكتفي بكونها دولة متعددة القوميات تقليدية تحترم سيادة جيرانها.
الجماعات غير الحكومية: إنهاء وجود الفاعلين المسلحين من غير الدول (مثل المليشيات والتنظيمات المسلحة المتطرفة أو الميليشيات) الذين يلغون مفهوم الحدود الوطنية ويعتبرون أنفسهم أصحاب رسالة عقائدية عابرة للحدود. - بناء توازن قوى جديد والمقصد …ألا تتفوق أو تهيمن دولة واحدة بالكامل على الشرق الأوسط لأن الهيمنة المطلقة لطرف ما تثير رعب الأطراف الأخرى وتدفعهما إلى حروب استنزافية.
كيف يتحقق التوازن؟
ردع الطموحات التوسعية للقوى الإقليمية عبر إيجاد كتلة أو تحالفات إقليمية متوازنة (فمثلاً وجود دول خليجية قوية ومستقرة بدعم دولي يوازين النفوذ الإيراني أو غيره).
حماية التوازن تنفي خيار الحرب لأن أي طرف سيعلم أن تكلفة العدوان ستكون أكبر من مكاسبه مما يجبر الجميع على الانخراط في الدبلوماسية. - اعتراف جميع الأطراف المترابطة (الشرعية المتبادلة)
المقصد: الاستقرار لا يتحقق بفرض إرادة طرف واحد أو باستبعاد طرف آخر بل باعتراف كل طرف بشرعية وجود وحق الأمن لباقي الأطراف.
عندما يمتلك كل لاعب أساسي في المنطقة (الدول العربية وإيران وتركيا…) القناعة بأن النظام الإقليمي الحالي يحمي وجوده ولا يهدد استمراريته سيتوقف عن العمل على تفكيك دول الجوار أو نشر الفوضى فيها.
جوهر فلسفة كيسنجر:
يرى كيسنجر أن السلام ليس مجرد أمنيات أخلاقية أو فرض الديمقراطية بالقوة بل هو واقعية سياسية قائمة على:
1.الحدود القومية والسيادة: منع التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
2.توازن القوى: إيجاد معادلة قوة تمنع أي طرف من الهيمنة.
3.التسامح الأيديولوجي: التوقف عن السعي لتغيير أنظمة أو عقائد الدول المجاورة والتركيز على إدارة المصالح المشتركة والحد من الصراعات.
المهم كيف يمكن تنفيذ هذه الاستراتجية؟
