د. محمد طاقة: أصحوا يا عرب.. قراءة في التحولات والصراعات التي تعصف بالمنطقة

ينطلق د. محمد طاقة من تحولات العراق وحرب إيران وأمن الخليج واليمن ليطرح سؤالًا أوسع عن موقع العرب في صراعات المنطقة وقدرتهم على بناء قوة ذاتية تحمي مصالحهم.
كنت دائماً أتجنب الكتابة بالموضوعات السياسية، لأنني أرى أن السياسة تدخل الإنسان في قضايا معقدة ومتشابكة، وتضعه أحياناً في تناقضات لا أول لها ولا آخر، ولا سيما ان المصالح السياسية كثيراً ما تتقدم على المبادئ والقيم والأخلاق. ولهذه الأسباب ابتعدت عن الكتابة السياسية ، واكتفيت بالكتابة والبحث في مجال اختصاصي وهو الاقتصاد السياسي.
ولكن ما يجري اليوم في منطقتنا العربية يدفعني الى الخروج عن هذا النهج، والكتابة في موضوع سياسي أراه يمس بصورة مباشرة أمن الأمة العربية ومستقبلها.
فقد أعلنت المملكة العربية السعودية مؤخراً اعتراض مسيرة حوثية جنوب منطقة مكة المكرمة في حادثة اثارت ردود فعل عربية وإسلامية واسعة، باعتبار ان مكة المكرمة هي أقدس مدن المسلمين وفيها الكعبة المشرفة قبلة المسلمين ومقصد الملايين من كل انحاء العالم ، وفي المقابل نفى الحوثيون استهداف مكة.
وبعيدا عن الخلاف حول المسؤولية المباشرة عن الحادث ، فان مجرد وصول الصراع العسكري الى محيط مكة المكرمة يمثل تطورا بالغ الخطورة ويطرح سؤالا أكبر حول طبيعة الصراعات التي تعيشها المنطقة، وحول القوى الإقليمية والدولية المستفيدة من استمرارها.
ومن وجهة نظري، فإن ما يجري لا يمكن النظر اليه باعتباره احداثا منفصلة ، وانما ينبغي قراءته ضمن سياق أوسع من الصراع على المنطقة العربية، وموقعها الجغرافي وثرواتها، وممراتها المائية ،ومقدراتها الاقتصادية ،والسياسية.
وارى ان العرب والمسلمين بحاجة الى ان يستوعبوا طبيعة المرحلة التي يعيشونها وان يدركوا ان استمرار الضعف والتشرذم سيجعل المنطقة أكثر عرضة للتدخلات والمشاريع الإقليمية والدولية
أولا: العراق واسقاط التوازن العربي:
لقد أدى احتلال العراق عام (2003) إلى إنهيار احد اهم مراكز القوة في العالم العربي والإقليمي، فالعراق كان يمتلك جيشا كبيرا واقتصادا مهما وموقعا جغرافيا استراتيجيا، وكان يمثل في نظر كثير من العرب جزءا أساسيا من منظومة التوازن الإقليمي. وقد أدى الاحتلال الى تفكيك مؤسسات الدولة العراقية واضعاف قدراته العسكرية والاقتصادية، الامر الذي ترك فراغا استراتيجيا كبيرا في المنطقة .
ومن وجهة النظر التي اطرحها في هذا المقال ، فان اسقاط العراق لم يكن مجرد تغيير للنظام السياسي ، وانما كان تحولا كبيرا في ميزان القوى الإقليمي استفادت منه قوى إقليمية ودولية متعددة.
كما أن بعض المواقف العربية في تلك المرحلة لم تستطع منع هذا التحول، وهو ما أدى في النهاية إلى إضعاف أهم مراكز القوة العربية.
«استمرار الضعف والتشرذم سيجعل المنطقة أكثر عرضة للتدخلات والمشاريع الإقليمية والدولية»
ثانياً: التحول السياسي في العراق وتنامي النفوذ الإيراني.
بعد عام (2003)، ثم بصورة أوضح خلال السنوات الأخيرة، تنامى النفوذ الإيراني داخل العراق، وبرزت قوى سياسية وفصائل مسلحة مرتبطة بجهات مختلفة بأيران، وأدى ذلك إلى تغيير كبير في طبيعة التوازنات داخل العراق وفي علاقاته الإقليمية.
ومن وجهة نظري، فإن استمرار هذا الوضع ساهم في إضعاف الدولة العراقية وإبقائها في حالة من الصراع السياسي والأمني، الأمر الذي ينعكس على موقع العراق ودوره العربي والاقليمي.
وهنا لا بد من التأكيد أن الشعب العراقي هو المتضرر الأول من استمرار الازمات السياسية والاقتصادية والأمنية وان العراق بحكم موقعه وامكاناته كان يمكن ان يؤدي دورا اكبر في تحقيق التوازن والاستقرار في المنطقة إذا امتلك قراره الوطني المستقل.
ثالثاً: الموقف العربي من التطورات في العراق.
لقد تعاملت الدول العربية بدرجات مختلفة مع الواقع الجديد في العراق، ولكنها لم تتمكن من صياغة استراتيجية عربية فاعلة لإعادة العراق إلى موقعه الطبيعي في محيطه العربي. وبقي العراق يعاني من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة، بينما تراجع دوره الإقليمي مقارنة بما كان عليه.
وهنا نطرح سؤالاً : هل يمكن للأمة العربية أن تحقق توازناً إقليمياً حقيقياً في ظل استمرار إضعاف العراق؟ إن إعادة بناء الدولة العراقية وتعزيز سيادتها واستقرار قرارها الوطني لا تخدم العراق وحده وانما تخدم الامن القومي العربي بصورة عامة.
«إن إعادة بناء الدولة العراقية وتعزيز سيادتها واستقرار قرارها الوطني لا تخدم العراق وحده وانما تخدم الامن القومي العربي بصورة عامة»
رابعاً: الحرب مع أيران والمفاوضات الأميركية:
بعد عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئاسة، دخلت الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، بعد انهيار الترتيبات السابقة المتعلقة بالملف النووي الإيراني. وقد شهدت المنطقة خلال الأشهر الماضية تصعيداً عسكرياً واسعا ، شمل إيران وإسرائيل والقواعد والمصالح الأميركية في عدد من دول الخليج العربي. لكن الحرب لم تمنع عودة المسار السياسي التفاوضي ، إذ استمرت الاتصالات والمفاوضات بصورة او بأخرى. وفي أحدث التطورات، عبر ترامب عن أمله في أن تكون الحرب مع إيران قد اقتربت من نهايتها ، بالتزامن مع ترتيبات للقاء قادة دول مجلس التعاون الخليجي، ومناقشة المرحلة التالية للحرب ، وهذا يعيدنا الى حقيقة أساسية في العلاقات الدولية:
«الدول تتحرك في النهاية وفق مصالحها، وقد تجمعها المواجهة في مرحلة، ثم تعود للتفاوض في مرحلة اخرى»
خامساً: لماذا تتحمّل الدول العربية ألجزء الاكبر من تداعيات الصراع؟
شهدت الأشهر الأخيرة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة طالت عددا من دول المنطقة، من بينها السعودية والإمارات والكويت وقطر والأردن، إلى جانب وجود هجمات إيرانية بعلى مواقع وقواعد مرتبطة بالولايات المتحدة الأمريكية، ونلاحظ استبعاد إسرائيل من هذه الضربات تماما، وتؤكد تقارير متعددة تعرض دول الخليج لهجمات أو محاولات هجوم، وما ترتب عليها من اضرار واضطرابات اقتصادية وامنية.
وهنا تبرز قضية جوهرية:
إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك علاقات وتحالفات امنية تاريخية مع عدد من الدول العربية، فإلى أي مدى تستطيع هذه الدول الاعتماد على الحماية الخارجية؟ خصوصا عندما تتعارض مصالح الحليف الخارجي مع مصالحها؟
والواقع أن السياسة الدولية لا تقوم دائماً على الصداقة أو العداء الدائمين، وإنما على المصالح المتغيرة. ومن هنا فإن الاعتماد الكامل على أي قوة خارجية لا يمكن ان يكون بديلا عن بناء القوة الذاتية للدول العربية.
«الاعتماد الكامل على أي قوة خارجية لا يمكن ان يكون بديلا عن بناء القوة الذاتية للدول العربية»
سادساً : الاتصالات الأمريكية مع الحوثيين .
من التطورات اللافتة كذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية أجرت مؤخرا اتصالات مع ممثلين عن الحوثيين في سلطنة عمان – في إطار محاولة الحفاظ على التهدئة وضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب .
وهذه التطورات تطرح تساؤلات حول طبيعة السياسة الأمريكية في المنطقة ، خصوصاً عندما تتزامن الاتصالات مع الحوثيين مع استمرار الصراع بين الولايات المتحدة وإيران ، وعندما تتعرض في الوقت نفسه دول عربية لهجمات من قوى مرتبطة بايران.
فقد ذكرت التقارير أن الولايات المتحدة قررت عدم الدخول في مواجهة جديدة الى جانب السعودية ضد الحوثيين ، في ظل انشغالها بالحرب مع إيران ، وهو ما يعكس أولوية المصالح والحسابات الأميركية في هذه المرحلة.
سابعاً : باب المندب واليمن
يمثل باب المندب واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم ، ولذلك فإن السيطرة أو النفوذ على المناطق المحيطة به لا يمثل قضية يمنية داخلية فقط ، وإنما له أبعاد اقتصادية وجيوسياسية دولية .
ومن هنا يبرز السؤال : كيف استطاعت جماعة مسلحة أن تحافظ على نفوذها في مناطق استراتيجية من اليمن؟ وأن تهدد حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية
