آراء

د. محمد القيسي: العراق.. 18,880 مسؤولاً سابقاً يتقاضون تقاعداً بمليارات الدنانير.. من يدفع الثمن؟

يورو تايمز – في مقال اقتصادي، يعرض د. محمد القيسي إحصائية أعدّها عن رواتب تقاعد كبار المسؤولين العراقيين منذ عام 2003، ويناقش أعباءها على الموازنة والعدالة التقاعدية.

منذ عام 2003 وحتى اليوم، تعاقبت على العراق حكومات وبرلمانات ومسؤولون كبار، وغادر آلاف منهم مناصبهم، لكن الأعباء المالية المترتبة على تلك المناصب لم تغادر الموازنة العامة للدولة، بل استمرت في صورة رواتب تقاعدية وامتيازات مالية تتزايد مع مرور السنوات.

ومن خلال إحصائية عملت على إعدادها خلال الفترة الماضية، توصلت إلى أن عدد كبار المسؤولين السابقين الذين يتقاضون رواتب تقاعدية من الدولة منذ عام 2003 يبلغ 18,880 شخصاً، موزعين بين رؤساء الجمهورية ورؤساء الوزراء ونوابهم، والوزراء ووكلاء الوزارات والمستشارين، وأعضاء مجلس النواب والسفراء والمحافظين، فضلاً عن رؤساء الهيئات والدوائر الخاصة والقيادات الأمنية والعسكرية العليا.

وتشير حساباتي إلى أن مجموع الرواتب التقاعدية الشهرية لهذه الفئات يتجاوز 283 ملياراً و200 مليون دينار عراقي، أي ما يقارب 3 تريليونات و398 مليار دينار سنوياً.

هذه الأرقام لا تمثل مجرد مبالغ مالية في أبواب الإنفاق الحكومي، بل تطرح سؤالاً اقتصادياً وأخلاقياً مهماً: هل يستطيع العراق الاستمرار في تحمل هذه الالتزامات المتزايدة، بينما يواجه تحديات كبيرة في تمويل الخدمات العامة وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين؟

«هل يستطيع العراق الاستمرار في تحمل هذه الالتزامات المتزايدة، بينما يواجه تحديات كبيرة في تمويل الخدمات العامة؟»

المشكلة أن هذه الأعداد ليست ثابتة، فمع كل دورة انتخابية جديدة، وكل تغيير حكومي، يغادر مسؤولون مناصبهم ويحل آخرون محلهم، لتُضاف أعداد جديدة إلى قوائم المتقاعدين من الدرجات العليا، وترتفع معها الالتزامات المالية التي تتحملها خزينة الدولة.

والأكثر إثارة للقلق أن الكلفة لا تتوقف عند الرواتب التقاعدية. فبعض المسؤولين السابقين، رغم مغادرتهم مناصبهم، يستمرون في تحميل الدولة نفقات إضافية تشمل الحمايات الشخصية والسيارات والوقود والتنقلات والسفر، وهي أعباء ينبغي احتسابها عند تقييم الكلفة الحقيقية لهذه الامتيازات.

ومن وجهة نظري، فإن القضية الأكثر أهمية تتعلق بالعدالة في نظام التقاعد. فهناك من شغل منصباً رفيعاً لمدة محدودة، ثم أصبح مستفيداً من استحقاقات تقاعدية كبيرة، في حين أمضى موظفون آخرون عشرات السنوات في الخدمة الفعلية مقابل رواتب تقاعدية متواضعة.

ولإدراك حجم الفجوة، يكفي أن نشير إلى أن مجموع الرواتب التقاعدية الشهرية التي تتقاضاها هذه الفئات، وفق تقديراتي، يعادل ما يحصل عليه أكثر من 700 ألف متقاعد من أصحاب الخدمة الفعلية.

فهل من العدالة أن تستنزف امتيازات فئة محدودة مبالغ تعادل معاشات مئات الآلاف ممن أفنوا سنوات طويلة في خدمة مؤسسات الدولة؟

«فهل من العدالة أن تستنزف امتيازات فئة محدودة مبالغ تعادل معاشات مئات الآلاف؟»

إن الحديث عن إصلاح النظام التقاعدي لا ينبغي أن يبدأ من أصحاب الرواتب المحدودة، وإنما من مراجعة الامتيازات الممنوحة للمناصب العليا، والتدقيق في سنوات الخدمة الفعلية، والأسس القانونية لاحتساب الرواتب، والنفقات التي تستمر بعد انتهاء المسؤول من أداء مهامه.

ولا تعني هذه الدعوة الانتقاص من الحقوق التقاعدية المشروعة لأي مواطن، مهما كان منصبه السابق، وإنما المطالبة بمعايير عادلة وشفافة تربط الاستحقاقات بالخدمة الفعلية والقانون، وتحمي المال العام من الإنفاق غير المبرر.

إن العراق بحاجة إلى مراجعة جادة لهذه الالتزامات، لأن كل دينار يُنفق من الموازنة العامة ينبغي أن يخضع لمعيار واضح من الضرورة والعدالة والكفاءة.

فالدولة التي تسعى إلى إصلاح اقتصادها لا تستطيع تجاهل مليارات الدنانير التي تتراكم شهرياً في أبواب الامتيازات، بينما ينتظر مئات الآلاف من المتقاعدين تحسين أوضاعهم المعيشية.

والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحاً أمام الحكومة والبرلمان والجهات الرقابية هو: إلى متى يستمر هذا التفاوت، ومن يتحمل مسؤولية مراجعته وتصحيحه؟

توزيع كبار المسؤولين المتقاعدين منذ عام 2003

إحصائية أعدها د. محمد القيسي، ولم تخضع أرقامها لتدقيق مستقل من سجلات التقاعد الرسمية.

الفئة العدد
الوزراء ومن بدرجتهم 6,500
وكلاء الوزارات ومن بدرجتهم 1,100
المستشارون المتقاعدون 2,500
السفراء المتقاعدون 400
المحافظون السابقون 120
رؤساء الهيئات والدوائر المرتبطة سابقاً 110
رؤساء الوزراء ونوابهم السابقون 18
رؤساء الجمهورية ونوابهم السابقون 12
أعضاء مجلس النواب السابقون 1,870
القادة الأمنيون والعسكريون الكبار 6,250
المجموع 18,880

مقالات سابقة للكاتب:

شاهد أيضًا

يويوان ليلاً: سوق وحديقة شنغهاي القديمة بالأضواء | Yuyuan Garden at Night 4Kللمشاهدة عبر تطبيق يوتيوب انقر هنا

رابط الفيديو على يوتيوب: انقر هنا (https://www.youtube.com/watch?v=g7Nc74WT0fE)

زر الذهاب إلى الأعلى