آراء

د. مظهر محمد صالح: السيدة نجمة… وبياض القيمر في ذاكرة وطن

د. مظهر محمد صالح يستعيد سيرة السيدة نجمة بائعة القيمر في مدن الفرات، وذكريات الطفولة والثقة والعمل والاقتصاد الشعبي.

كانت السيدة نجمة، بائعة القيمر وصانعته، واحدةً من تلك الشخصيات التي لا تعبر طفولتنا مروراً عابراً، بل تستقر في أعماق الذاكرة، وتغدو مع الزمن جزءاً من حنيننا إلى أنفسنا، وإلى الأمكنة التي احتضنت خطواتنا الأولى، وإلى وطنٍ كان يخبئ في بساطته ثراءً لا تدركه إلا الأرواح التي خبّرت جمال الحياة في تفاصيلها الصغيرة.

في خمسينيات القرن الماضي، وفي إحدى مدن الفرات التي شهدت طفولتي، كان لي مع السيدة نجمة موعدٌ أسبوعي يشبه طقساً من طقوس الحياة العراقية الأصيلة. كنت أذهب إليها عصراً، إلى مسكنها المتواضع، حيث كانت تربي الجاموس وتصنع من حليبه ذلك القيمر العراقي الذي تختزن طبقاته البيضاء حكاية الأرض والماء والجهد والبركة. كنت أسلّمها صحننا الفارغ، ومعه بضعة دراهم، ثم أعود إلى البيت، مطمئناً إلى أن صباح الغد يحمل لي فرحةً صغيرة لا تشبه سواها.

ومع انبلاج الفجر، كنت أتسلل إلى سوق المدينة، حيث تستيقظ الحياة على مهل، وتفتح الأزقة عيونها على وقع الخطوات الأولى، وتختلط رائحة الأرض بندى الصباح، وتبدأ حكايات الناس اليومية من دون ضجيج ولا ادّعاء. هناك، كنت أجد السيدة نجمة قد افترشت الأرض، وأحاطت بها أوانٍ معدنية صغيرة امتلأت بالقيمر الطازج، كأنها أقمار بيضاء أودعها الليل في حضن السوق، لتكون زاداً للمارة، وبهجةً لبيوتٍ تعرف أن الإفطار ليس طعاماً فحسب، بل ألفةٌ ومودةٌ وامتدادٌ لذاكرة المكان.

وما إن أقترب منها حتى تستقبلني ببشاشةٍ لا تزال ملامحها حيةً في وجداني، وتناولني صحننا الخزفي، وقد غطّته طبقات القيمر البيضاء، بعناية امرأة تعرف أن الإخلاص في العمل ضربٌ من المحبة، وأن الرزق الحلال ليس ما تضعه اليد في الجيب فحسب، بل ما تتركه في القلب من طمأنينة.

كنت أعود بالصحن إلى البيت، وربما لم أكن أدرك يومها أنني أحمل أكثر من وجبة إفطار، كنت أحمل شيئاً من كرامة الناس، ونقاء التعامل، وبراءة زمنٍ كانت فيه الدراهم القليلة تفي بوعدها، وكانت الثقة بين البائع والمشتري أرسخ من كل وثيقة، وكانت للقيمة عدالتها، وللعمل حرمته، وللإنسان مكانته التي لا تُقاس بما يملك، بل بما يمنحه من صدقٍ وإتقان.

«كانت الثقة بين البائع والمشتري أرسخ من كل وثيقة.»

كبرتُ، وكبرت معي المدن، وتبدلت الأسواق، وتغيرت الوجوه والعملات، لكن السيدة نجمة بقيت في داخلي أكثر حضوراً من كثيرين عرفتهم بعد ذلك. بقيت صورتها، بملامحها الطيبة وأوانيها الصغيرة وصحنها الأبيض، نافذةً مفتوحة على زمنٍ لم تكن وفرة الأشياء فيه شرطاً للسعادة، ولم يكن ضجيج الحياة يحجب أصوات القلوب، ولم تكن البساطة فقراً في المعنى، بل ثراءً في الروح.

أم القيمر… حين تعجز خوارزميات الذكاء الفائق!

ولعل أجمل ما يعيد قراءة هذه الذاكرة من زاوية أخرى، ما كتبه الأستاذ الدكتور عامر المهداوي في خاطرته المعنونة «أفكار على أوراق فارغة»، تحت عنوان فرعي طريف يحمل في ظاهره روح الدعابة، وفي باطنه تأملاً في الاقتصاد الشعبي وأسرار استدامته:

«الذكاء الفائق في حيرة: لماذا لن يستطيع إيلون ماسك منافسة أم القيمر؟»

يقول الدكتور المهداوي:

في الوقت الذي يستيقظ فيه إيلون ماسك فزعاً في منتصف الليل لمتابعة أسهم شركاته، والمضاربات المالية، والتقلبات الاقتصادية، ومنافسة الذكاء الاصطناعي، تجلس أم القيمر عند طرف الفجر ببال مرتاح، ترتب صواني القيمر بكل ثقة واطمئنان.

هل تساءلت يوماً لماذا تُعتبر مهنة أم القيمر نموذجاً اقتصادياً خارقاً يعجز حتى الذكاء الفائق (ASI) عن مساسه أو تهديده؟ تعالوا نكتشف السر! :

1. رأس مال ذكي وإدارة آلية للجاموس

أم القيمر لا تحتاج إلى خوارزميات لتقليل التكاليف ، فالجاموس يأكل العشب المتاح، وتُدار تربيته بأبسط الموارد، لينتج مادة خام رفيعة المستوى لا يمكن استبدالها بأي مركب كيميائي أو برمجية في العالم.

2. بضاعة معفاة من الضرائب وتقلبات العملة

بينما تشهد أسواق الأسهم والعملات هبوطاً وصعوداً، تبقى بضاعة أم القيمر سريعة النفاذ، «كاش بكاش»، خارج حسابات البنوك، بعيدة عن تعقيدات الضرائب، ولا تتأثر مباشرةً بسعر الدولار ولا بتقلبات الأسواق المالية.

3. مكان العمل: إيجار صفر، وبونص فوقها!

تختار أم القيمر موقعاً استراتيجياً أمام فرن معروف. وبدلاً من دفع إيجار للمكان، يُعتبر وجودها خدمةً تسويقية للفرن نفسه! فالزبون الذي يأتي لشراء القيمر سيشتري الصمون الحار حتماً، وقد تحصل فوق ذلك على بونص أو خصم خاص من صاحب الفرن جراء جلب الرواد.

4. مزايا الإفطار ورعاية المقاهي

وجبة الإفطار مضمونة يومياً وطازجة من قلب الإنتاج. وإذا كان زوجها أو ابنها، «أبو الجاي»، يعمل بالقرب منها، تكتمل أركان المؤسسة الاستراتيجية: قيمر، وصمون حار، واستكان شاي مُهَيّل!

خلاصة القول: بينما يستمر الذكاء الفائق في تهديد المهن المكتبية والتقنية الحديثة، ستبقى المهن الشعبية الأصيلة، القائمة على الجودة المباشرة والتفاعل الإنساني البسيط، حائط صدّ صلباً في وجه أي ذكاء فائق.

مهما تطورت التكنولوجيا، لن يخترع روبوتٌ خوارزميةً تضاهي طعم القيمر العراقي صباحاً!

انتهى الاقتباس من خاطرة الأستاذ الدكتور عامر المهداوي، ليعيدني
بهذه القراءة الطريفة والعميقة، إلى السيدة نجمة، لا بوصفها بائعةً للقيمر فحسب، بل بوصفها حكايةً اقتصاديةً وإنسانيةً متكاملة، امرأةً كانت تمارس اقتصادها بالفطرة، وتدير رزقها بالخبرة، وتبني علاقتها بالناس على الثقة، من دون أن تعرف شيئاً عن مصطلحات الأسواق الحديثة، أو أن تحتاج إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

غير أن ما بقي في ذاكرتي منها، بعد كل هذه العقود، ليس اقتصاد مهنتها وحده، بل دفء إنسانيتها، وبياض القيمر الذي حملته إلى بيتنا، وبياض زمنٍ ما زلنا نفتش عنه في ذاكرة الوطن.

فخلف تلك الأواني المعدنية الصغيرة، وصحن القيمر الذي كان ينتظرني مع أول الصباح، كانت تختبئ منظومة كاملة من القيم الاقتصادية والاجتماعية: إنتاجٌ يقوم على العمل، واستهلاكٌ تحكمه الحاجة، وسعرٌ يعرفه الطرفان، وثقةٌ تختصر المسافة بين البائع والمشتري، ورزقٌ يومي يستمد معناه من الجهد الشريف والرضا بما تيسّر.

لم تكن السيدة نجمة تضع نظرياتٍ في الاقتصاد، ولم تكن بحاجة إلى جداول معقدة لتفهم معنى الكلفة والعائد، أو إلى دراسات مطولة لتدرك قيمة الزبون الدائم. كانت تمارس ذلك كله بفطرة الحياة وخبرة العمل، في سوقٍ يعرف أهله بعضهم بعضاً، وتُصان فيه السمعة كما تُصان الأمانة، ويكون الوفاء بالكلمة جزءاً من رأس المال.

ولعل هذه هي المفارقة الجميلة التي تضيء بها حكايتها حاضرنا: أن التطور التكنولوجي، مهما بلغ من الذكاء والقدرة على الحساب، لا يلغي قيمة الخبرة الإنسانية، ولا يعوّض الثقة التي تتكون عبر السنين، ولا يستطيع وحده أن يمنح الأشياء مذاقها الاجتماعي والوجداني. فثمة جوانب من الاقتصاد لا تُقرأ بالأرقام وحدها، بل بما يربط الإنتاج بالإنسان، والعمل بالكرامة، والسلعة بذاكرة المكان.

«التطور التكنولوجي، مهما بلغ من الذكاء والقدرة على الحساب، لا يلغي قيمة الخبرة الإنسانية.»

واليوم، كلما استعدت تلك المشاهد، أدركت أن بعض الناس لا يتركون وراءهم ثروةً تُحصى، ولا اسماً تخلّده اللافتات، لكنهم يتركون في ذاكرة الآخرين وطناً كاملاً.

«بعض الناس لا يتركون وراءهم ثروةً تُحصى، لكنهم يتركون في ذاكرة الآخرين وطناً كاملاً.»

والسيدة نجمة واحدة من أولئك الذين صنعوا، بعرق جبينهم وصدق حرفتهم ودفء إنسانيتهم، ملامح العراق الذي نشتاق إليه ، عراق الأسواق الشعبية، والأبواب المفتوحة، والخبز الحار، والقيمر الطازج، والدراهم القليلة التي كانت تشتري أكثر من سلعة، كانت تشتري معها احتراماً متبادلاً، وطمأنينةً، وشعوراً عميقاً بأن الحياة، على بساطتها، يمكن أن تكون عادلةً وكريمة.

رحم الله السيدة نجمة، إن كانت قد غادرت دنيانا، وأطال العمر لمن بقي من أمثالها، فقد علّمتنا الحياة، من خلالهم، أن أجمل ما في الماضي ليس ما فقدناه من أشياء، بل ما كان يسكن تلك الأشياء من معانٍ.

سلامٌ على السيدة نجمة، وسلامٌ على صحن القيمر الذي كان يعود إلى البيت أبيضَ كالفجر، وعلى دراهم الطفولة التي كانت قليلةً في عددها، عظيمةً في معناها، وعلى أسواق الفرات التي كانت تفتح أبوابها كل صباح، كأنها تقول لنا إن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بأيدي الناس الطيبين، وبالأمانة التي يورثونها، وبالمحبة التي تبقى فينا حتى بعد أن يرحلوا.

ما أعذب أن نكتشف، بعد كل هذه السنين، أن بعض وجبات الإفطار لا تنتهي بانتهاء الطعام ،إنها تبقى في الذاكرة عمراً كاملاً، وتظل رائحتها، كلما مرّ بنا الحنين، توقظ فينا ذلك الطفل الذي كنّاه، وتعيد إلينا، للحظاتٍ خاطفة، وطناً كان يسكن التفاصيل الصغيرة، وكانت تفاصيله الصغيرة تكفي لأن نحبّه إلى الأبد.

مقالات مختارة

شاهد أيضًا

قلعة جبل فارو في #مالقة: أسوار وأبراج فوق الميناء | #إسبانياللمشاهدة عبر تطبيق يوتيوب انقر هنا

رابط الفيديو على يوتيوب: انقر هنا (https://www.youtube.com/watch?v=6FBNFoe4MFE)

زر الذهاب إلى الأعلى