وول ستريت جورنال: الحصار الأميركي يخنق نفط إيران.. المخزون العائم ينهار من 90 إلى 29 مليون برميل

يورو تايمز – علي الجابري
بعد أكثر من ستة أشهر على اندلاع الحرب الأميركية–الإيرانية، بدأت إحدى أخطر جبهات المواجهة تعمل بعيدًا عن الصواريخ والغارات: جبهة تجفيف الأموال.
فتقرير جديد نشرته صحيفة Wall Street Journal يكشف أن الحصار البحري الأميركي المفروض على إيران منذ منتصف يوليو لم يعد مجرد أداة عسكرية للضغط على الملاحة، بل تحول عمليًا إلى وسيلة تخنق أهم مصدر للعملة الأجنبية لدى طهران، في وقت يتراجع فيه المخزون النفطي العائم الذي كانت تعتمد عليه إيران لمواصلة البيع إلى الصين.
وبحسب بيانات شركة تتبع السفن Kpler، لم تعبر أي شحنة جديدة من الخام الإيراني خط الحصار الأميركي منذ إعادة فرضه في 14 يوليو. ولا تزال إيران تحمل كميات محدودة من النفط داخل الخليج، لكن هذه البراميل تبقى عالقة ولا تصل إلى الصين، المشتري الرئيسي الكبير المتبقي للخام الإيراني.
من مليوني برميل يوميًا إلى نحو ربع مليون
تكشف الأرقام حجم التحول. ففي مارس/آذار كانت إيران تحمل نحو مليوني برميل يوميًا من الخام والمكثفات. وفي يوليو/تموز انخفض الرقم إلى نحو 740 ألف برميل يوميًا، قبل أن يتراجع في أغسطس/آب إلى ما بين 220 ألفًا و255 ألف برميل يوميًا، وفق تقديرات Vortexa وKpler التي نقلتها Reuters.
وتقول Wall Street Journal إن عمليات التحميل انخفضت بنحو 85% مقارنة بمستويات مطلع العام. لكن حتى هذه الكميات لا تعني صادرات فعلية، لأن النفط الذي يُحمّل داخل الخليج يظل خلف خط الحصار ولا يستطيع الوصول إلى المشترين.
سبعة أسابيع تقريبًا بلا صادرات خام ذات معنى
وصفت Reuters الوضع بأنه سابقة منذ بدء تتبع هذه التدفقات: إيران أمضت نحو سبعة أسابيع من دون تصدير كميات ذات معنى من الخام عبر مضيق هرمز.
وهذا يختلف جذريًا عن سنوات العقوبات السابقة. ففي ذروة حملة «الضغط الأقصى» خلال 2019 و2020، ظلت بعض الشحنات الإيرانية تعبر هرمز كل شهر، أما الآن فقد بقي التدفق الخارجي قريبًا من الصفر لفترة ممتدة.
المخزون العائم يهبط من 90 إلى 29 مليون برميل
خلال الأسابيع الأولى من الحصار، بقيت لإيران وسادة مؤقتة: النفط الذي خرج من الخليج قبل تشديد الحصار وتم تخزينه على ناقلات خارج المنطقة.
كان حجم هذا المخزون يقدر بنحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو. وبحلول مطلع سبتمبر انخفض إلى نحو 29 مليون برميل فقط، أي أن نحو 61 مليون برميل من هذا المخزون اختفت من الرصيد المتاح خلال أقل من شهرين.
وبحسب Kpler، يمكن أن ينفد ما تبقى من هذا المخزون بحلول منتصف أكتوبر/تشرين الأول إذا استمرت وتيرة التسليم الحالية.
وهذا يعني أن طهران قد تواجه بعدها مشكلة أكثر خطورة: ليس فقط عدم قدرتها على إخراج شحنات جديدة، بل فقدان المخزون الخارجي الذي كان يبقي الإيرادات تتدفق رغم الحصار.
29 ناقلة تحمل أكثر من 36 مليون برميل داخل الحصار
في المقابل، لا يعني تراجع المخزون الخارجي أن إيران لم تعد تملك نفطًا.
بحسب بيانات TankerTrackers.com التي نقلتها Reuters، توجد نحو 29 ناقلة داخل المضيق تحمل 36.11 مليون برميل من الخام الإيراني.
لكن المشكلة ليست وجود النفط، بل القدرة على تحريكه إلى الخارج. فهذه البراميل محملة على ناقلات لا تستطيع ببساطة عبور منطقة الحصار والوصول إلى الصين.
أسطول الظل يعمل.. لكنه لا يستطيع حل المشكلة
يظل لإيران أسطول واسع من السفن المرتبطة بتجارة النفط.
وبحسب تقديرات نقلتها Reuters عن Blackstone Compliance Services، كانت هناك 51 سفينة مرتبطة بإيران تعمل في خليج عُمان، إضافة إلى 81 سفينة أخرى توصل الشحنات في آسيا أو تنتظر قبالة ماليزيا.
لكن حتى شبكة «أسطول الظل» تواجه المشكلة نفسها: إذا أفرغت الناقلة حمولتها خارج الخليج، لا تستطيع العودة بسهولة إلى الموانئ الإيرانية لإعادة التحميل.
وذكرت Vortexa أن 27 ناقلة خاضعة للعقوبات كانت تنتظر قبالة سريلانكا فارغة، غير قادرة على العودة إلى إيران.
لماذا نجح الحصار فيما فشلت فيه العقوبات؟
خلال سنوات العقوبات، استخدمت إيران طرقًا متعددة للالتفاف عليها، بينها إغلاق أجهزة التتبع، ونقل النفط من سفينة إلى سفينة، وتغيير أسماء ورايات الناقلات، واستخدام شركات واجهة وشبكات مالية غير رسمية.
لكن الحصار الحالي يعمل بطريقة مختلفة.
بدل أن تحاول واشنطن منع شراء النفط الإيراني بعد خروجه، تحاول منع الشحنة من مغادرة المنطقة أصلًا.
ولهذا قالت Claire Jungman من Vortexa إن حتى أقسى العقوبات السابقة لم تنجح في خفض تدفق الخام عبر هرمز إلى مستوى قريب من الصفر لفترة طويلة كما يحدث الآن.
الصين هي العقدة الرئيسية
الصين هي المشتري الأهم للخام الإيراني، وبقيت خلال سنوات العقوبات السوق الرئيسية التي سمحت لطهران بتحويل النفط إلى عملة صعبة.
لكن الحصار الحالي قطع الطريق بين الخام الإيراني والمصافي الصينية.
ولهذا باتت الصين تعتمد مؤقتًا على البراميل المخزنة في آسيا، بينما بدأ بعض المشترين الصينيين بالاتجاه إلى خامات من السعودية والعراق والإمارات، وفق مسؤولين في قطاع الطاقة تحدثوا إلى Wall Street Journal.
النفط يمول نحو ثلث ميزانية الدولة
تتجاوز المشكلة حدود وزارة النفط.
بحسب Wall Street Journal، تمول الإيرادات النفطية عادةً نحو ثلث الموازنة العامة الإيرانية.
كما تعتمد مؤسسات عسكرية، بينها الحرس الثوري، على شبكات شركات وناقلات مرتبطة بتصدير النفط لتوفير موارد إضافية.
لذلك فإن أي انخفاض طويل في الصادرات يضغط على الإنفاق الحكومي، والعملة الأجنبية، وتمويل الواردات، ودعم الريال، وأجزاء من الإنفاق العسكري والأمني.
البتروكيماويات تدخل الأزمة أيضًا
ولا تتوقف الضغوط عند النفط الخام.
تشير البيانات التي أوردتها Wall Street Journal إلى أن عمليات تحميل البتروكيماويات الإيرانية انخفضت بنحو الثلثين مقارنة بمطلع 2026.
وهذا مهم لأن البتروكيماويات تمثل أحد أكبر مصادر العملة الأجنبية بعد النفط، ما يعني أن طهران تتعرض لضغط على قناتين ماليتين في الوقت نفسه.
الطريق البري لا يعوض البحر
نظريًا تستطيع إيران استخدام الطرق البرية لتصدير بعض النفط، لكن الأرقام تظهر محدودية هذا البديل.
تقديرات Kpler تشير إلى قدرة لا تتجاوز نحو 40 ألف برميل يوميًا بالشاحنات.
وللمقارنة، كانت صادرات إيران تقترب من مليوني برميل يوميًا قبل الحرب، أي أن النقل البري لا يمثل سوى جزء صغير جدًا من الطاقة التصديرية السابقة.
التضخم والريال يزيدان الضغط
تأتي أزمة النفط بينما يواجه الاقتصاد الإيراني ضغوطًا شديدة أصلًا.
تشير Wall Street Journal إلى تجاوز التضخم الرسمي 80% في إحدى القراءات السنوية، بينما تتوقع تقديرات لصندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 5.4% خلال 2026.
وفي المقابل، أشارت Reuters إلى أن تقدير صندوق النقد لمتوسط التضخم خلال العام يقترب من 70%. وهذا اختلاف في نوع المؤشر والتوقيت، وليس بالضرورة تناقضًا مباشرًا.
كما خسر الريال نحو 15% من قيمته أمام الدولار منذ أغسطس، بحسب التقديرات التي أوردتها Wall Street Journal.
هل يجبر الحصار إيران على التفاوض؟
الرهان الأميركي واضح: كلما تراجعت عائدات النفط، تقل قدرة طهران على تمويل الحرب والإنفاق العام، وبالتالي ترتفع تكلفة استمرار المواجهة.
لكن هناك سيناريو معاكس: أن يؤدي تشديد الخناق إلى تصعيد إيراني أكبر في هرمز أو ضد المصالح الأميركية والخليجية.
وفي تحليل نشرته Reuters، خلصت الوكالة إلى أن واشنطن تراهن على أن إيران باتت تتحمل ضررًا اقتصاديًا أكبر من الضرر الذي تلحقه بالآخرين عبر هرمز، لكن مصادر إيرانية وإقليمية ما زالت تشكك في أن الضغط الاقتصادي وحده سيكون كافيًا لفرض استسلام سياسي.
وبذلك يصبح السؤال المركزي في المرحلة المقبلة: هل يؤدي تجفيف النفط إلى دفع إيران نحو صفقة، أم إلى جعل الحرب البحرية في الخليج أكثر خطورة؟
اقرأ أيضًا
معركة الحصارين في هرمز.. لماذا بدأ الوقت يعمل ضد إيران؟
بعد 6 أشهر من الحرب.. إيران لا تستطيع إغلاق هرمز وأمريكا لا تستطيع فتحه بالكامل.. حرب بلا حسم
الكشف عن أكبر عملية أميركية سرية استمرت 4 أشهر لنزع ألغام إيران من مضيق هرمز ليلًا
