نزار العوصجي: مسلسل الانهيار ، هل سيستمر؟

منذ الغزو والاحتلال البغيض عام 2003 ، والعراق يعيش واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا وإيلامًا في تاريخه الحديث ، ليس فقط بسبب الحروب والإرهاب والانقسامات ، بل بسبب الانهيار التدريجي لفكرة الدولة نفسها .
فبعد تغيير النظام الوطني ، كان البعض من دعاة الديمقراطية يعشمون أنفسهم بوطن جديد تُبنى فيه المؤسسات على أساس العدالة والكفاءة والقانون ، لا على أساس الخوف والاستبداد ، لكن الذي حدث كان شيئًا آخر تمامًا .
لقد انتقل العراق من دولة الكفاءات إلى فوضى الجماعات ، ومن هيبة السلطة إلى إشاعة الخراب ، ومن حكم الدولة إلى حكم الأحزاب والمصالح والمحاصصات .
فبدل أن تكون العملية السياسية مشروعًا للنهوض بالبلاد ، تحولت إلى أكبر عملية تقاسم للنفوذ عرفها العراق في تاريخه الحديث .
منذ اللحظة الأولى ، وُلد النظام السياسي الجديد مشوَّهًا ، قائمًا على المحاصصة الطائفية والنعرة القومية والتبعية الفكرية ، لا على مفهوم المواطنة والكفاءة ، فأصبحت الوزارات تُوزَّع كما تُوزَّع الغنائم بعد الحروب ، لا بوصفها مؤسسات سيادية تخدم الشعب .
هذه الوزارة للحزب الفلاني ، وتلك للطائفة الفلانية ، وأخرى للكتلة الفلانية ، وكأن العراق لم يعد وطنًا ، بل “شركة مفلسة” يتقاسم المتنفذون أرباحها وممتلكاتها ، وهكذا بدأ الانهيار الكبير ..
اليوم لم يعد السؤال : من هو الأكفأ ؟
بل أصبح : من يمثل الحزب الأقوى ؟
ومن يضمن الولاء أكثر ؟
ومن يملك القدرة على حماية مصالح الكتلة السياسية ؟
من هنا دخل العراق في أخطر مرحلة من تاريخه الإداري والسياسي ؛ مرحلة تسليم الدولة إلى غير المؤهلين ، وإقصاء أصحاب الخبرات والكفاءات ، لصالح شخصيات لا تمتلك مشروعًا وطنيًا ولا رؤية إصلاحية ، بل لا تملك الحد الأدنى من الكفاءة الإدارية .
أصبحنا نرى وزارات حساسة تُدار بعقلية الدكاكين السياسية ، لا بعقلية الدولة .
وزير لا يفقه شيئًا في اختصاص وزارته ، لكنه “مرضيٌّ عنه” سياسيًا .
ومسؤول لا يملك أي إنجاز حقيقي ، لكنه يتقن فن الولاء والتبعية .
وبرلمان امتلأ بالشعارات والصراخ والمزايدات ، بينما المواطن يغرق بالفقر والبطالة وسوء الخدمات ..
بعد أكثر من عقدين مرت على تغيير النظام الوطني :
ماذا حقق العراق فعليًا ؟
هل انتهت أزمة الكهرباء ؟
هل تطورت المدارس والجامعات ؟
هل أصبح القطاع الصحي يليق ببلد نفطي ؟
هل اختفى الفساد ؟
هل يشعر المواطن بالأمان والعدالة ؟
هل استعاد العراق هيبته الإقليمية والدولية ؟
الجواب المؤلم يعرفه الجميع ، كلا ، والف كلا ، بل إن المفارقة الأكثر مرارة ، أن العراق ، رغم كل موارده النفطية الهائلة ، ما زال عاجزًا عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة لمواطنيه .
مليارات الدولارات تبخرت ، وموازنات انفجارية أُنفقت ، لكن أين ذهبت النتائج ؟
لا بنية تحتية حقيقية ، ولا اقتصاد منتج ، ولا صناعة وطنية ، ولا نظام صحي متكامل ، ولا تعليم يواكب العالم .
لقد تحولت السياسة في العراق بعد 2003 إلى تجارة ضخمة باسم الوطن .
أحزاب تتحدث باسم الشعب وهي تعيش بعيدًا عن معاناته .
سياسيون يرفعون شعارات الإصلاح وهم أول المستفيدين من الفساد .
خطابات وطنية في العلن ، وصفقات وتقاسم مصالح خلف الأبواب المغلقة .
والمأساة الأكبر أن الفشل لم يعد يكلّف أحدًا شيئًا .
فالوزير الفاشل يغادر منصبه ليعود بمنصب آخر .
والسياسي الذي تسبب بالأزمات يُعاد تدويره من جديد .
والأحزاب نفسها التي شاركت في خراب الدولة ، تعود كل انتخابات لتقدم نفسها بوصفها “المنقذ”.
أما المواطن العراقي ، فقد تُرك وحيدًا يدفع الثمن : بطالة ، وفقر ، وغياب خدمات ، وانعدام فرص ، وهجرة للكفاءات ، وضياع لجيل كامل ولد وسط الأزمات ولم يعرف معنى الاستقرار الحقيقي ..
إن أخطر ما فعلته الطبقة السياسية بعد 2003 ليس فقط إضعاف الدولة ، بل قتل ثقة الناس بفكرة الدولة أصلًا .
حين يرى المواطن أن الفاسد محمي ، والفاشل مُكرَّم ، والكفوء مُهمَّش ، فإنه يفقد إيمانه بالعدالة ، ويشعر أن الوطن لم يعد يتسع لأحلامه .
لقد كان العراق يمتلك فرصة تاريخية ليصبح دولة قوية ومؤثرة ، بما يملكه من ثروات وموقع استراتيجي وطاقات بشرية هائلة ، لكنه أُهدرها بسبب الصراعات الحزبية ، والفساد المنظم ، وغياب المشروع الوطني الحقيقي .
والمؤلم أن كثيرًا من السياسيين ما زالوا يتحدثون بلغة المعارضة وهم في قلب السلطة منذ أكثر من عشرين عامًا ، وكأن الشعب لا يرى ، ولا يسمع ، ولا يتذكر من كان يحكم ومن كان يملك القرار .
إن الأوطان لا تُبنى بالخطب الطائفية ، ولا بالشعارات الجوفاء ، ولا بتوزيع المناصب بين الأحزاب ، بل تُبنى عندما يكون الولاء للعراق أولًا ، وعندما تصبح الكفاءة فوق الانتماءات الضيقة ، وعندما يشعر المسؤول أن المنصب تكليف لا غنيمة .
لذا نقول : ما هكذا تُدار الأوطان ، ولا هكذا يُصنع المستقبل ..
لقد تعب العراقيون من الوعود ، ومن المسرحيات السياسية المتكررة ، ومن حكومات تُولد ميتة قبل أن تبدأ العمل ، وما يحتاجه العراق اليوم ليس تغيير الوجوه فقط ، بل تغيير العقلية السياسية كاملة ؛ عقلية المحاصصة ، والفساد ، والهيمنة الحزبية ، والاستحواذ على الدولة .
وإلا فإن مسلسل الانهيار سيستمر ، وسيبقى المواطن يدفع ثمن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل ..
