آراء

نزار العوصجي: الإمارات نهجاً ثابتاً

الإمارات بين ثبات السيادة ومحاولات إعادة إنتاج روايات فقدت صلاحيتها ..

في كل مرة يُعاد فيها طرح ادعاءات سياسية تتعلق بدولة الإمارات العربية المتحدة في محافل دولية ، يتضح أن المشكلة ليست في طبيعة الردود الإماراتية ، بل في إصرار بعض الأطراف على اختبار حدود باتت واضحة منذ زمن ، فالإمارات ليست ساحة مفتوحة لتبادل الاتهامات ، ولا منصة لتمرير روايات سياسية ، ولا طرفاً يمكن الضغط عليه عبر الخطاب أو التلميح أو إعادة تدوير الادعاءات القديمة .
التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال اجتماع وزراء خارجية دول “بريكس” تمثل نموذجاً جديداً من هذا النهج ، الذي يحاول أن يعيد صياغة الوقائع الإقليمية بعيداً عن سياقها الحقيقي ، عبر تبرير ممارسات مرفوضة ، أو تلطيف خطاب سياسي يرتبط بسلوكيات أثارت توتراً واسعاً في المنطقة .
لكن ما يغيب عن هذه المحاولات هو أن الزمن الإقليمي تغيّر ، وأن قدرة الخطاب السياسي المجرد على قلب الحقائق أو إعادة تعريفها أصبحت محدودة للغاية ، أمام واقع دولي أكثر شفافية وحساسية تجاه قضايا السيادة وعدم التدخل ..

منذ عقود ، رسخت الإمارات نهجاً ثابتاً يقوم على الوضوح في السياسة الخارجية ، والالتزام الصارم بمبادئ القانون الدولي ، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية .
هذا النهج لم يكن يوماً مجرد خيار دبلوماسي ، بل هو جزء من هوية دولة بنت استقرارها على أساس مؤسساتي وتنموي وأمني متماسك ، جعلها واحدة من أكثر الدول استقراراً وجاذبية في محيط إقليمي شديد التعقيد .
ومن هذا المنطلق ، فإن أي محاولة للمساس بسيادة الإمارات أو التشكيك في استقلال قرارها السياسي تصطدم ليس فقط بموقف سياسي معلن ، بل ببنية دولة متكاملة تمتلك أدواتها السياسية والدبلوماسية والقانونية ، وتدرك تماماً كيف تدافع عن مصالحها العليا ضمن الأطر المشروعة التي كفلها القانون الدولي .
لذلك ، فإن الرد الإماراتي لا يأتي في إطار الانفعال أو التصعيد اللفظي ، بل في إطار تثبيت القواعد التي تحكم العلاقات بين الدول .
الأخطر في الخطاب الذي يحاول تبرير الاعتداءات أو تحميل الضحية مسؤولية التوترات الإقليمية ، أنه يسعى إلى قلب المنطق الأساسي للنظام الدولي : تحويل الاستقرار إلى موضع اتهام ، والتدخل إلى وجهة نظر ، والتهديد إلى سياق قابل للتفسير .
غير أن هذا النوع من الخطاب لم يعد يجد البيئة الدولية التي تسمح له بالتمدد كما في السابق ، لأن التجارب الإقليمية المتراكمة أثبتت أن أمن الدول لا يمكن أن يُبنى على إعادة تعريف الواقع ، بل على احترامه ..

الإمارات ، في هذا السياق ، تؤكد مرة بعد أخرى أنها ليست في موقع الدفاع عن رواية ، بل في موقع تثبيت حقيقة ، فأمنها الوطني ليس موضوعاً للنقاش السياسي ، وسيادتها ليست بنداً في أي تفاوض علني أو غير مباشر ، واستقلال قرارها ليس مجالاً للاختبار أو القياس أو الضغط .
وهذه ليست شعارات ، بل قواعد ثابتة تحكم سلوك دولة تمتلك رؤية واضحة لدورها الإقليمي والدولي .
كما أن ما يميز الموقف الإماراتي أنه لا يقوم على ردود أفعال ظرفية ، بل على استراتيجية طويلة المدى تستند إلى بناء قوة الدولة داخلياً ، وتعزيز شراكاتها دولياً ، وتثبيت حضورها كفاعل مسؤول في محيطه الإقليمي .
وهذا ما يجعل أي خطاب يستهدفها أو يحاول التشويش على سياساتها غير قادر على تحقيق أثر عملي ، لأنه يصطدم بواقع مختلف تماماً عن الصورة التي يحاول البعض رسمها .
وفي المقابل ، فإن تحميل الإمارات مسؤوليات لا ترتبط بسياقها أو التذرع بخطاب سياسي لتبرير أفعال أو سياسات إقليمية ، لا يغير من حقيقة أن جذور التوتر في المنطقة ترتبط بسلوكيات معروفة ومحددة ، تتعلق بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول ، ودعم التوترات في بعض الساحات ، وتغذية بيئات عدم الاستقرار .
وهذه الحقائق باتت جزءاً من النقاش الدولي ، وليست مجرد وجهات نظر متعارضة .
من هنا ، يصبح واضحاً أن ما يُطرح في مثل هذه المحافل لا يعكس توازناً في الطرح بقدر ما يعكس محاولة لإعادة تموضع سياسي في خطاب دولي أكثر تعقيداً .
لكن الإمارات ، التي اختارت منذ البداية موقعها الواضح في دعم الاستقرار والتنمية والتعاون ، لا تنخرط في هذه الدوائر الرمادية ، ولا تتعامل مع الأمن الوطني بوصفه مساحة قابلة للتأويل ..

تؤكد دولة الإمارات العربية المتحدة مجدداً ثبات موقفها الحازم تجاه أي تصريحات أو ادعاءات تمس سيادتها أو تحاول تبرير سلوكيات وممارسات مرفوضة إقليمياً ، مشددة على رفضها القاطع لما ورد من تصريحات لوزير الخارجية الإيراني خلال اجتماع وزراء خارجية دول “بريكس”، وما تضمنته من مزاعم لا تستند إلى حقائق ، ومحاولات لتبرير اعتداءات أو تحميل أطراف أخرى مسؤوليات لا تتوافق مع الوقائع .
إن الرسالة الإماراتية اليوم تتجاوز الرد على تصريح بعينه ، لتؤكد معادلة أشمل : أن الدولة التي بنت نموذجها على الاستقرار والانفتاح والشراكة الدولية ، لن تسمح بأن يُعاد تعريفها عبر خطاب خارجي ، ولن تقبل أن تُدرج في سياقات لا تعكس واقعها ولا تحترم سيادتها .
فالدول لا تُقاس بما يُقال عنها ، بل بما تفعله ، وبما تحققه ، وبما تحافظ عليه من استقرار داخلي ومكانة دولية .
وفي النهاية ، تبقى الحقيقة الأكثر رسوخاً ، أن الإمارات ليست في موقع رد الفعل تجاه محاولات التشويش ، بل في موقع الفعل المستند إلى دولة قوية ، ورؤية واضحة ، وسيادة لا تقبل التفاوض .
وكل خطاب لا يدرك هذه المعادلة ، سيبقى خارج تأثير الواقع ، مهما ارتفع صوته في المحافل الدولية ..

زر الذهاب إلى الأعلى