آراء

نزار العوصجي: إيران تحت مقصلة التغيير

يشهد الصراع بين التحالف (الأمريكي – الإسرائيلي) وإيران ، الذي أنهى أسبوعه العاشر ، تحوّلًا نوعيًا وحادًا في مساره الاستراتيجي .
هذا التحول لم يعد مجرد تصعيد تقليدي ، بل أصبح أقرب إلى إعادة تشكيل لموازين القوى ، ومحاولة مدروسة لدفع النظام الإيراني إلى نقطة الانهاك الاستراتيجي ، تمهيدًا لفرض واقع جديد ، خاصة بعد الضربات التي استهدفت مراكز القيادة والسيطرة في طهران ضمن عمليتين بارزتين حملتا طابعًا عالي الدقة والتأثير .
هذه الضربات التي طالت مراكز القيادة والسيطرة في طهران لم تكن فقط رسائل عسكرية ، بل حملت دلالات سياسية عميقة ، فقد أفرزت ما يمكن وصفه بـ”فراغ القوة” داخل بنية القرار في طهران ، يقابله ارتباك واضح في طريقة إدارة الرد الإيراني .
فبدلًا من الالتزام بنمط الرد العسكري التقليدي ، بدأت المؤشرات تميل نحو استهدافات أقل انضباطًا ، طالت مصالح اقتصادية في منطقة الخليج ، إضافة إلى تهديد ممرات الملاحة الدولية ، وهو ما يعكس حالة من التخبط العملياتي أكثر من كونه استراتيجية مدروسة .
هذا ما يفسر التحول التدريجي في نمط الرد الإيراني ، من استهدافات محسوبة إلى سلوك أقرب إلى ردود الفعل غير المتناغمة ، التي طالت المصالح الاقتصادية وممرات الملاحة ، في محاولة لتعويض فقدان التوازن .

في ضوء هذا المشهد ، يبدو أن السيناريو الأقرب خلال الساعات القادمة يتمثل في تصعيد يعتمد على مبدأ “الصدمة والترويع”، بهدف شل قدرة النظام الإيراني على إعادة تنظيم صفوفه ، خصوصًا في ظل غياب أو تراجع دور القيادة العليا .
هذا الأسلوب ، إذا ما تم تطبيقه بكثافة ، قد يسرّع من تفكك منظومة القيادة ويضع مؤسسات الدولة أمام اختبار وجودي .
في المقابل ، تقف طهران أمام نافذة زمنية ضيقة للغاية لإعادة تثبيت الردع .
فإذا لم تتمكن من تنفيذ ضربة نوعية ومؤثرة — سواء في العمق الإسرائيلي أو ضد القواعد الأمريكية الكبرى — فإن احتمالات التآكل الداخلي ، خاصة داخل الحرس الثوري الإيراني الذي يشكل العمود الفقري للنظام ستزداد بشكل متسارع ، بل قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا ، منها صراعات داخلية أو إعادة تموضع للنخب الحاكمة ، وقد نشهد بداية تفكك تدريجي في بنيته خلال الأيام التالية .
أما الحديث عن “حتمية سقوط النظام خلال أسابيع”، فهو أقرب إلى الرغبة السياسية منه إلى التقدير الواقعي وهو مطروح بقوة في بعض التحليلات .
صحيح أن الضغط العسكري والسياسي قد يسرّع من وتيرة التآكل ، لكن انهيار الأنظمة غالبًا لا يكون لحظيًا بل نتيجة تراكمات وصراعات ممتدة ، فالأنظمة لا تسقط بالتوقيتات المعلنة ، بل حين تتكامل عوامل الانهيار ، منها فقدان السيطرة ، انقسام النخب ، وانهيار القاعدة الاجتماعية .
وحتى اللحظة ، لا توجد مؤشرات قاطعة على تحقق هذه الشروط بشكل كامل .

على المستوى الإقليمي ، فإن أي اهتزاز كبير في طهران سينعكس بشكل مباشر على حلفائها .
في العراق ، ستواجه الميليشيات المسلحة تحديات وجودية تتعلق بالتمويل والقيادة ، بينما في لبنان ، سيكون حزب الله أمام اختبار غير مسبوق في ظل غياب الداعم الرئيسي .
لذا لا ينبغي عدم يتجاهل طبيعة هذه التنظيمات ، التي بُنيت على شبكات محلية معقدة تجعل تفككها عملية تدريجية لا لحظية .
ومع ذلك ، فإن افتراض انهيار هذه الكيانات خلال 48 ساعة فقط قد يكون مبالغًا فيه ، إذ أن لهذه التنظيمات بنى داخلية وشبكات مصالح قد تمكّنها من الاستمرار لفترة ، وإن بشكل أضعف أو أكثر تفككًا .
في المحصلة ، نحن أمام مرحلة مفصلية قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة ، لكن مآلاتها ستبقى رهينة التفاعلات المتسارعة على الأرض ، وقد تحمل مفاجآت تتجاوز كل التوقعات .

أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق تاريخي ، لكن الخطأ الأكبر هو التعامل مع المشهد بمنطق الحسم السريع .
فما يجري هو إعادة ترتيب عميقة ، قد تستغرق وقتًا أطول مما يتوقعه المتحمسون ، وقد تنتج واقعًا مختلفًا تمامًا عما يخطط له الجميع .
في السياسة ، كما في الحروب ، ليس كل ما يبدو انهيارًا يكون نهاية ، وأحيانًا يكون بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا ..

زر الذهاب إلى الأعلى