د. عبدالسلام سبع الطائي: هل ترامب مجنون أم جنّن العالم؟ قراءة في هندسة القلق السياسي

الجنون فنون؛ وجنون السياسة أكثرها خطورة
هذه الورقة تمثل قراءةً لسيكولوجيا الشرق الملتهب، وتشريحًا للعقل السياسي المضطرب بالمنطقة، وحال العراق وإيران والخليج العربي، في زمنٍ أصبح فيه جنون السياسة أخطر الفنون؛ لأنه يربك الشعوب ويعيد رسم خرائط الخوف والنفوذ. إنها ليست مجرد مقاربة سياسية للأحداث، بل محاولة سايكو-جيوسياسية لفهم العاصفة التي تضرب المنطقة، حيث بات يتحول فيها العراق وإيران والخليج العربي إلى مسرح مفتوح للقلق الدولي، وحافة مشتعلة لصراع الإرادات وتفاقم الأزمات.
في التاريخ السياسي الحديث، لم يعد الجنون مجرد حالة نفسية تُعالج في المصحات أو تُفسّر عبر النظريات الطبية، بل تحوّل هذا الجنون إلى استعارة كبرى لفهم السلطة حين تنفلت من العقلانية التقليدية. ومن هنا يبرز السؤال الإشكالي الذي يثيره حضور الرئيس الأمريكي Donald Trump في المشهد الدولي: هل ترامب مجنون فعلًا؟ أم أنه يمارس نوعًا متقدّمًا من “الجنون السياسي” بوصفه استراتيجية لإعادة تشكيل العالم وفق منطق الصدمة والفوضى؟
إن هذا السؤال لا يتعلق بشخص ترامب وحده، بل بطبيعة النظام العالمي نفسه، وبالتحولات المجتمعية والنفسية والسياسية التي تضرب منطقة الشرق الأوسط، خصوصًا العراق وإيران والخليج العربي، حيث تتقاطع الجغرافيا بالنفط، والعقيدة بالمصالح، والخوف بالقوة.
• التغير الثوري: بين حلم المفكرين وغنيمة الانتهازيين
تُولد الثورات غالبًا من فكرة، لكنها لا تبقى فكرة حين تنزل إلى الشارع. فالمفكر يضع التصور، والغاضب يحطم الجدار الأول، ثم يأتي الانتهازي ليرتدي ثوب المنتصر. ولهذا قيل إن: “الثورة يخطط لها المفكرون، وينفذها المجانين، ويستولي عليها الانتهازيون”.
هذه العبارة ليست مجرد توصيف ساخر، بل تلخيص لديناميكية كيف تُختطف الثورة ونظامها السياسي. فالمفكر يرى ما لا يراه الناس بعد، لذلك يبدو سابقًا لعصره؛ لأن المجتمع يخاف المختلف، لكون المختلف يهدد استقرار القناعات القديمة. ولهذا يصبح العبقري مجنونًا في زمن الجهل، بينما يبدو الجاهل عاقلًا لأنه يشبه الأغلبية.
العالم Galileo Galilei واحدًا منهم؛ حوكم لأنه قال إن الأرض تدور حول الشمس. وفي السياسة، كثير من القادة الذين غيّروا العالم وُصفوا بالمجانين أو المتهورين قبل أن يتحولوا إلى رموز تاريخية. فالفرق بين العبقري والمجنون، أحيانًا، ليس في الفكرة نفسها، بل في توقيت فهم المجتمع لها.
Trump الرجل الذي أربك العالم!
بلعبة النار على حافة الجنون في الخليج العربي، لعالم لم يعد يُدار بالعقلانية وحدها، برز الرئيس Donald Trump بوصفه ظاهرة سياسية ونفسية أعادت تعريف مفهوم القوة والخوف في العلاقات الدولية. فمنذ وصوله إلى البيت الأبيض، تحولت السياسة الأمريكية من الدبلوماسية التقليدية إلى سياسة الصدمة، حيث أصبح القلق جزءًا من النظام العالمي.
يحاول هذا المقال تفكيك صورة Donald Trump بين من يراه عبقريًا استثنائيًا يعيد رسم موازين القوة، والرجل الذي أربك العالم وأدخل السياسة الدولية في عصر الصدمات الكبرى؛ حتى بدا للبعض أن “الجنون السياسي” تحوّل إلى سلاحٍ استراتيجي لإخضاع الخصوم واستنزافهم نفسيًا وذهنيًا.
فمن بغداد إلى طهران، لم تعد خرائط الخوف كما كانت، ولا معادلات الردع بقيت على حالها. من بغداد ستبدأ الحكاية… لكنها لا تنتهي هناك، فالمعركة أبعد من العراق!
كما يناقش المقال التحولات العاصفة في السياسة الأمريكية خلال عهد ترامب، بين صناعة الخوف وهندسة الفوضى، في زمن أصبحت فيه التغريدة أخطر من الصاروخ، والكلمة قادرة على إشعال الأسواق والحدود والجبهات في آنٍ واحد.
وفي قلب هذا المشهد المضطرب، يطرح المقال سؤالًا أكثر عمقًا وإثارة: هل يصنع ترامب التاريخ… أم أن الولائيين هم من يصنعون الكارثة؟ وهل العالم اليوم بحاجة إلى عقلاء يطفئون الحرائق… أم إلى مجانين جدد يعيدون تشكيل العالم؟ (1)
الجنون فنون
لا مناص من القول إن السياسي الذي يبدو “مجنونًا” قد يكون أكثر وعيًا من الجميع؛ لأنه يدرك أن العالم المعاصر لا يُدار بالعقلانية الكلاسيكية وحدها، بل بالخوف والصدمة والاستعراض.
هنا يظهر مفهوم “نظرية الرجل المجنون”، الذي استُخدم في السياسة الأمريكية خلال عهد Richard Nixon، حيث تعمّد إظهار نفسه كزعيم غير متوقع كي يخيف خصومه ويجبرهم على التراجع. وقد أعاد ترامب إنتاج هذه النظرية بصورة أكثر تطرفًا، لكن ضمن عصر الإعلام الرقمي، حيث أصبحت التغريدة أخطر من الصاروخ أحيانًا.
ترامب وسيكولوجية حرب الأعصاب القصوى
ترامب لا يتحدث بلغة الدبلوماسية التقليدية، بل بلغة السوق والاستفزاز والصراع النفسي. إنه يحوّل السياسة إلى مسرح دائم، ويجعل العالم يعيش حالة ترقّب مستمر:
هل سيشن حربًا؟
هل سينسحب من الاتفاق؟
هل سيدعم حليفًا أم يبتزه؟
هذا النمط يخلق حالة من “القلق الجيوسياسي”، وهي حالة نفسية جماعية تُصيب الدول قبل الشعوب. فالخصم الذي لا يمكن التنبؤ به يصبح أكثر رعبًا من الخصم العقلاني. (2)
العراق: المختبر المفتوح للجنون الدولي
منذ احتلال بغداد عام 2003، واختطاف نظامها الوطني من قبل الإيرانيين والانتهازيين، أصبح العراق غنيمة حرب ومساحة تتصارع فيها مشاريع القوة العالمية والإقليمية. لقد تحوّل العراق إلى “مختبر سياسي” تُجرّب فيه الولايات المتحدة وإيران وتركيا ودول الخليج أدوات النفوذ المختلفة؛ لأن العراق ليس مجرد دولة، بل عقدة نفسية وجيوسياسية في آنٍ واحد:
• بالنسبة لإيران: عمق استراتيجي وعقائدي.
• بالنسبة للخليج: حاجز أمني وخط دفاع.
• بالنسبة لواشنطن: نقطة ارتكاز للهيمنة الإقليمية.
ففي عهدي ترامب الأولى والثانية تحديدًا، دخل العراق مرحلة “التوتر القصوى”، خاصة بعد اغتيال Qasem Soleimani ببغداد 2020، ثم خامنئي وكابينته بطهران ولبنان 2026… بدا العالم يومها وكأنه رهينة مزاج سياسي متقلب، حيث أصبح الشرق الأوسط يعيش على إيقاع تغريدة أمريكية، أو ردّ إيراني، أو اجتماع طارئ في الخليج.
إن العلاقة بين واشنطن وطهران تشبه لعبة شطرنج نفسية، حيث يحاول كل طرف إقناع الآخر بأنه مستعد للذهاب إلى النهاية.
الخليج العربي وفلسفة الخوف
دول الخليج العربي تعيش معضلة وجودية مركبة؛ فهي تملك الثروة، ولكن يُراد لها أن تستمر محطات تعبئة للوقود و”خزنة دار”، أي “صراف آلي” Cash machine برصيد دائم لواشنطن. ولكونها محاطة بمحيط مضطرب، أصبحت “السياسة الأمنية” هي الفلسفة الحاكمة للمنطقة.
وفي زمن ترامب، تعزز هذا الشعور؛ إذ بدا أن الحماية الأمريكية لم تعد مجانية، بل تحولت إلى صفقة تجارية. وهكذا دخل الخليج مرحلة جديدة من إعادة تعريف التحالفات، والبحث عن توازن بين واشنطن وبكين وموسكو وطهران.
إن أخطر ما في السياسة الترامبية أنها جعلت الحلفاء أنفسهم يعيشون القلق، لا الخصوم فقط. فالخليج لم يعد يخشى إيران وحدها، بل صار يخشى تقلب المزاج الأمريكي أيضًا. (سابق)
هل العالم يُدار بالعقل أم بالاضطراب؟
العالم الذي صنع الحروب والعقوبات والانقلابات والتدخلات لعقود، بدأ يفقد توازنه الداخلي وتعايشه الخارجي.
لم تعد السياسة علم إدارة المصالح فقط، بل أصبحت إدارة المخاوف الجماعية؛ لا القضاء عليها، بل احتواؤها لإدارتها. إيران تريد محاصرة أمريكا بالعراق، وأمريكا تريد محاصرة الصين بإيران!
إن ترامب ليس سبب الأزمة العالمية بقدر ما هو “عرض” لأزمة أعمق: أزمة الثقة بالمؤسسات، وأزمة الإنسان المعاصر الذي يعيش وسط فائض من القوة ونقص في الحكمة.
خاتمة: الجنون مرآة للعصر
ترامب ليس مجنونًا بالمعنى الطبي أو النفسي، لكنه يجسد لحظة تاريخية اهتزّت فيها يقينات العالم القديم. لقد أصبح الجنون السياسي جزءًا من أدوات الحكم، وصارت الفوضى تُستخدم أحيانًا كاستراتيجية لإعادة ترتيب العالم.
أما العراق وإيران والخليج العربي، فهي ليست مجرد ساحات صراع، بل مرايا تعكس هذا الاضطراب العالمي، حيث تختلط الجغرافيا بالنار، والنفط بالخوف، والسياسة بحافة الهاوية.
وفي هذه المنطقة تحديدًا، يصبح السؤال أكثر خطورة وإثارة للرعب:
هل ما نراه جنون أفراد؟
أم جنون نظام عالمي كامل أدمن على الأزمات حتى بات السلام يهدد مصالحه؟
الحقيقةُ المريرة أنَّ السياسةَ الحديثة لم تَعُد تُجيدُ فنَّ معالجةِ الأزمات بالحكمة، بقدر ما أتقنت تأجيلَ الكارثة وتنظيمَ الفوضى؛ أو على الأقل إدارةَ الجنون بما يكفي لإبقائه تحت السيطرة المؤقتة… إلى أن يتحوّل الشرق الأوسط إلى شرارةِ انفجارٍ كبرى تُعيد تشكيلَ العالم بالقوة، بأقلِّ الخسائر الممكنة، وتُعيد رسمَ النظام العالمي بالنيران لا بمنطقِ التفاوض والدبلوماسية.(سابق)
————————————————————————
(1) أ.د. عبدالسلام الطائي، الگاردينيا – مجلة ثقافية عامة: “ترامب يصنع المفاوضات من فوهة الحرب!”
(2) أ.د. عبدالسلام سبع الطائي: “اللعبة الكبرى.. كيف تدير أمريكا صراعها مع إيران دون حرب؟” – صحيفة يورو تايمز.
