آراء

نزار العوصجي: من همبلة طهران إلى حماقة التعصب

مهما حاولنا البحث عن وصف يختصر حجم التبجح والكذب وإنكار الواقع الذي تمارسه القيادة الإيرانية ، تبقى الكلمات عاجزة عن الإحاطة بهذه الظاهرة ، خصوصًا عندما يصبح الإنكار أسلوب حياة ، فالتصريحات التي تتحدث عن انتصارات عظيمة وتفوق عسكري متزايد تأتي في الوقت الذي تُظهر فيه الوقائع الميدانية صورة مختلفة تمامًا ، مليئة بالخسائر والضغوط والتحديات .
غير أن المشكلة لا تقتصر على السياسي الذي يطلق هذه التصريحات ، بل تمتد إلى الجمهور الذي يصدقها دون سؤال أو مراجعة أو تفكير نقدي ، فالدعاية لا تعيش بقوة صانعها فقط ، وإنما تعيش أيضًا بوجود من يتلقفها ويعيد ترديدها وكأنها حقيقة مطلقة .
وهنا تكمن المعضلة التي نعاني منها في العراق منذ سنوات طويلة ، فالكثير من الشباب وقع ضحية للعقلية المذهبية التي صادرت العقل وألغت القدرة على التقييم الموضوعي للأشخاص والأحداث ، والأسوأ من ذلك أن بعض هؤلاء لا يكتفون بكونهم ضحايا لهذا التفكير ، بل يتحولون إلى أدوات لنشره والدفاع عنه ، معتقدين أن الانتماء المذهبي يمنح صاحبه حصانة من النقد ، وأن زعماء طائفته يمثلون قمة الحكمة والكفاءة مهما كانت نتائج أفعالهم على أرض الواقع ..

إن الغباء، كما يقال ، يشبه الموت ؛ لا يؤلم صاحبه بقدر ما يؤلم كل من حوله ، وهذه الحقيقة تتجسد بوضوح عندما نرى كيف يتحول بعض الأفراد إلى مشجعين متعصبين للسياسيين ، لا مواطنين يراقبون أداءهم ويحاسبونهم ، فالعلاقة بين المواطن والمسؤول في الدول المتقدمة تقوم على الرقابة والمساءلة ، أما في المجتمعات التي يسيطر عليها التعصب فتتحول إلى علاقة تقديس وهتاف وتصفيق .
ولعل العراقيين يتذكرون جيدًا المشاهد التي رافقت صعود بعض الشخصيات السياسية بعد عام 2003، عندما كانت الحشود تستقبل المسؤولين بالهتافات وكأنهم صناع معجزات تاريخية ، قبل أن تكشف السنوات حجم الفشل الذي رافق إداراتهم وقراراتهم ، كان النقد يُواجه بالتخوين ، والتحذير يُقابل بالسخرية ، ثم تأتي الأيام لتثبت أن الوقائع كانت أقوى من الشعارات .
المشكلة أن هذه الظاهرة تتكرر مع كل جيل سياسي جديد ، فكلما ظهر مسؤول جديد ، سارع المتعصبون إلى تقديمه بوصفه المنقذ المنتظر ، وكلما وُجهت إليه انتقادات أو أثيرت حوله شبهات فساد أو سوء إدارة ، انطلقت جيوش المبررين للدفاع عنه وكأن الدفاع عن الشخص أهم من الدفاع عن الوطن ، وبعد سنوات تتكشف الحقائق ، وتظهر الإخفاقات ، وتتراكم الملفات ، لكن كثيرين يرفضون الاعتراف بأنهم كانوا مخطئين في التقدير ..

إن أخطر ما في التعصب المذهبي أنه لا يسمح لصاحبه بمراجعة أفكاره ، فهو لا يقيس الأشخاص بأفعالهم ، بل بانتماءاتهم ، ولا يحاكم المسؤول على إنجازاته أو إخفاقاته ، بل على هويته السياسية أو الطائفية ، وهكذا يصبح الفشل نجاحًا ، والفساد اجتهادًا ، والسرقة مؤامرة ، وكل نقد مؤامرة مضادة .
العقلية ذاتها التي تدفع بعض قادة إيران إلى إعلان النصر وسط الأزمات والخسائر ، هي نفسها التي تدفع بعض أتباع الأحزاب والطوائف إلى اعتبار كل مسؤول تابع لمعسكرهم ناجحًا مهما كانت النتائج ، ففي الحالتين هناك رفض للواقع ، واستبدال للحقائق بالرغبات ، وتقديم للولاء على العقل .
ولذلك فإن معركة المجتمعات العربية الحقيقية ليست معركة بين الطوائف أو الأحزاب ، بل معركة بين العقل والتعصب ، بين المواطن الذي يفكر ويسأل ويحاسب ، وبين التابع الذي يصفق ويهتف ويبرر ، فالأمم لا تتقدم بالولاءات العمياء ، بل بالنقد والمراجعة والاعتراف بالأخطاء .
أما الذين يصرون على الدفاع عن الفاشلين مهما تكشفت الحقائق ، فإن المشكلة ليست في نقص المعلومات لديهم ، بل في رفضهم الاعتراف بها ، فالحقيقة قد تغير رأي العاقل ، لكنها نادرًا ما تغير رأي المتعصب ، لأن التعصب لا يقوم على الأدلة ، بل على الإيمان الأعمى ، وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة ، تصبح الحماقة بالنسبة له عقيدة لا يريد التخلي عنها ، مهما كانت كلفتها على المجتمع والوطن ..

زر الذهاب إلى الأعلى