آراء

نزار العوصجي: ربما يبدو الطريق طويلاً

في عالمٍ تتشابك فيه المصالح كما تتشابك خيوط العاصفة ، وتعلو فيه ضوضاء السياسة فوق أنين الشعوب ، تبدو الحقيقة أكثر قسوةً من أي وقت مضى : فصوت الأنسان مهما ارتفع ، كثيرًا ما يضيع في دهاليز المصالح الدولية وصراعات النفوذ ومساومات السلطة .
وما بين وعود السياسيين البراقة ، وواقع الشعوب المثقل بالخذلان ، تتسع الفجوة يومًا بعد آخر ، حتى بات الإنسان البسيط يشعر وكأنّه آخر من يُؤخذ رأيه بعين الاعتبار ، رغم أنّه أول من يدفع ثمن القرارات والحروب والتجاذبات ، وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاحٍ مؤلم :
إلى متى ستظل مصالح السياسيين أقوى من أحلام الشعوب ؟
وإلى متى سيبقى الوطن مشروعًا مؤجلًا على طاولة الحسابات الضيقة ؟

لقد وُجدت السياسة في جوهرها لتنظيم حياة المواطنيين وحماية كرامتهم ، وتحقيق العدالة بينهم ، لكنها في كثير من الأحيان تحوّلت إلى ساحة صراعٍ مفتوحة ، يتنافس فيها أصحاب النفوذ على المكاسب ، بينما تُترك الشعوب تواجه وحدها الفقر والخوف والانهيار .
أصبح بعض السياسيين يتعاملون مع أوطانهم بوصفها غنائم ، لا مسؤوليات ، ومع الشعوب باعتبارها أرقامًا انتخابية ، لا أرواحًا تحمل أحلامًا وآلامًا وآمالًا .
يتقدّمون إلى السلطة بخطاباتٍ مفعمة بالشعارات الوطنية والوعود الكبيرة ، لكن ما إن تستقر بهم الكراسي حتى تتغيّر الأولويات ، وتخفت لغة المبادئ ، وتعلو لغة المصالح والتحالفات والمكاسب الشخصية ، وحينها تتحوّل السياسة من رسالةٍ لخدمة الإنسان إلى أداةٍ لإدامة النفوذ ، ولو كان الثمن استنزاف الأوطان وإضعاف المجتمعات ..

إن العلاقة بين الحاكم والشعب ليست علاقة سيطرة ، بل علاقة أمانة ومسؤولية تاريخية ، فالدولة التي تفقد ثقة شعبها ، مهما امتلكت من قوةٍ وسلاحٍ ونفوذ ، تبقى هشّة من الداخل ، لأن الشرعية الحقيقية لا تُفرض بالقوة ، بل تُبنى بالعدالة والكرامة والإنصاف .
ولعلّ ما شهدته المنطقة خلال العقود الأخيرة يُجسد هذه الحقيقة بوضوحٍ مؤلم ، فقد عاشت شعوب كثيرة على وقع الأمل بالتغيير ، وانتظرت طويلًا لحظة الخلاص من الاستبداد والفوضى والهيمنة الخارجية ، لكن تلك الأحلام اصطدمت مرارًا بجدار المصالح الدولية والإقليمية ، حتى بدا وكأنّ إرادة الشعوب تُؤجل باستمرار لصالح صفقات السياسة وتوازنات النفوذ ..

في إيران ، لم تكن رغبة الملايين في إنهاء حقبة الملالي مجرّد موقفٍ سياسي عابر ، بل كانت صرخة شعبٍ أثقلته العقوبات والقمع والعزلة والانهيار الاقتصادي .
أجيال كاملة نشأت وهي تحلم بوطنٍ أكثر حرية ، ودولةٍ تمنح مواطنيها حق الحياة الكريمة بدلًا من تصدير الأزمات والصراعات .
وكان كثير من الإيرانيين يرون أن تغيير النظام ليس مجرد تحول سياسي ، بل بداية لاستعادة وطنٍ اختطفته الأيديولوجيا لعقود طويلة .
ولم تكن هذه التطلعات حكرًا على الداخل الإيراني وحده ، بل شاركتها شعوب عديدة في المنطقة ، خصوصًا في الخليج العربي والعالم العربي عمومًا ، التي رأت أن أي تغيير حقيقي في إيران قد ينعكس على استقرار المنطقة بأسرها ، ويخفف من حدة التوترات والصراعات التي أنهكت الاقتصاد والأمن والتنمية ..

أما العراق ، ذلك البلد الذي كان يومًا أحد أعمدة الحضارة العربية والإسلامية ، فقد وجد نفسه بعد عام 2003 أمام واقعٍ بالغ التعقيد .
فبدل أن يكون التغيير بوابةً لبناء دولة حديثة مستقرة ، دخل العراق في دوامة من الفوضى والانقسامات والصراعات الطائفية ، وتنامى نفوذ الميليشيات والسلاح خارج إطار الدولة ، حتى بات المواطن العراقي يشعر بأن وطنه يُدار وسط صراع إراداتٍ إقليمية ودولية تتجاوز مصالحه وحياته اليومية .
ورغم كل ذلك ، بقي العراقيون يحلمون بدولةٍ قوية عادلة ، تحكمها المؤسسات لا الولاءات ، ويكون فيها القانون فوق الجميع ، ويستعيد فيها المواطن ثقته بوطنه ومستقبله ..

وفي لبنان ، تحوّل الحلم بالدولة إلى هاجسٍ يومي لدى شعبٍ أنهكته الأزمات والانقسامات والانهيارات الاقتصادية .
بلدٌ كان يُعرف يومًا بأنّه منارة الثقافة والحرية في الشرق الأوسط ، أصبح يعيش تحت وطأة الانهيار المالي والتجاذبات السياسية والتأثيرات الخارجية .
وبات كثير من اللبنانيين يرون أن استعادة الدولة وسيادتها لم تعد مجرد مطلب سياسي ، بل ضرورة وجودية لإنقاذ وطنٍ يتآكل من الداخل ..

أما اليمن ، فقد دفع شعبه الثمن الأكبر من الدم والجوع والدمار .
سنوات الحرب الطويلة لم تترك خلفها سوى المدن المنهكة والأطفال الجائعين والأحلام المؤجلة .
ومع ذلك ، لم يفقد اليمنيون رغبتهم في استعادة وطنهم ، وبناء دولة تنهي الانقسام وتعيد للإنسان اليمني حقه في الأمن والحياة والكرامة ..

لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا أنّ كل هذه الآمال اصطدمت بواقعٍ دولي شديد التعقيد ، حيث لا تتحرك القوى الكبرى وفق المبادئ والشعارات التي ترفعها ، بل وفق حسابات النفوذ والمصالح الاستراتيجية ، فحين تتعارض معاناة الشعوب مع مصالح الدول ، غالبًا ما تكون الشعوب هي الطرف الأضعف .
لقد أثبتت التجارب أن العالم لا يُدار بالعواطف ، بل بالمصالح ، وأن العدالة الدولية كثيرًا ما تتراجع أمام صفقات السياسة وتحالفات القوة .
وفي خضم هذه المعادلات ، تتحوّل قضايا الشعوب إلى ملفات مؤجلة ، فيما تستمر المعاناة عامًا بعد عام .
ومع ذلك ، فإن التاريخ يثبت دائمًا أن إرادة الشعوب قد تتعثر ، لكنها لا تموت .
فكم من أنظمةٍ بدت أبدية ثم سقطت ، وكم من شعوبٍ ظن العالم أنها انكسرت ، لكنها عادت أكثر قوةً وإصرارًا ..

إن الشعوب تشبه الأنهار ؛ قد تبدو هادئة على السطح ، لكنها في أعماقها تحمل قوةً هائلة قادرة على تغيير الجغرافيا نفسها .
هي قد تصبر طويلًا ، لكنها لا تنسى ، وقد تصمت كثيرًا ، لكنها تحتفظ في ذاكرتها بكل خيبة وكل وعدٍ لم يتحقق .
واليوم ، لم تعد الشعوب كما كانت في الماضي ، فوعي الناس اتّسع ، وقدرتهم على كشف الحقائق أصبحت أكبر ، وصوتهم بات أكثر حضورًا رغم محاولات التعتيم والإقصاء .
لقد أدركت الشعوب أن الكرامة ليست ترفًا ، وأن الحرية ليست شعارًا ، وأن الأوطان لا تُبنى بالخطب ، بل بالعدالة والعمل واحترام الإنسان .
وربما تبدو الصورة قاتمة في هذه المرحلة ، وربما يبدو الطريق طويلًا ومليئًا بالخذلان ، لكن التاريخ لم يكن يومًا خطًا مستقيمًا ، بل سلسلة من التحولات والصراعات والانبعاثات الجديدة .
ولهذا ، فإن ما يبدو اليوم انسدادًا قد يكون بدايةً لتحولاتٍ أكبر لم تنضج ملامحها بعد ..

ويبقى السؤال معلقًا في ضمير العالم : إلى متى ستبقى مصالح السياسيين أعلى من إرادة الشعوب ؟
قد لا يملك أحد جوابًا حاسمًا ، لكن المؤكد أن الشعوب ، مهما تعبت وتألمت ، لا تفقد حقها في الحلم ، ولا تتنازل عن حقها في الحياة الكريمة .
فمع كل صوتٍ حر ، ومع كل كلمةٍ صادقة ، ومع كل إنسان يرفض الظلم والانكسار ، تقترب الإنسانية خطوةً جديدة نحو استعادة التوازن المفقود .
ورغم العتمة ، يبقى الأمل حيًّا ؛ لأن فجر الوعي حين يولد ، لا تستطيع قوةٌ في الأرض أن تعيده إلى الظلام ..

زر الذهاب إلى الأعلى