آراء

نزار العوصجي: «إياك أعني واسمعي يا جارة»

أخطر أنواع الخداع هو ذلك الذي يُمارس باسم الحقيقة”.
جورج أورويل George Orwell

ليس الاحتيال دائمًا فعلًا فرديًا يمارسه أشخاص بارعون في التلاعب ، بل قد يتحول إلى منظومة حكم كاملة تُتقن صناعة الوهم وتحريف الحقائق بما يخدم بقاء السلطة ، وهذا ما تكشفه تجربة حكم الملالي في إيران ، التي قدمت نفسها لعقود باعتبارها مشروعًا للتحرر والعدالة ، بينما كانت الممارسات على الأرض ترسم صورة مختلفة تمامًا .
فعلى مدى أكثر من أربعة عقود ، نجح النظام الإيراني في تقديم نفسه بوصفه حاملًا لمشروع “تحرري” يدافع عن المستضعفين ويواجه الهيمنة العالمية ، بينما كانت الوقائع السياسية والاقتصادية والأمنية تكشف تدريجيًا عن مشروع مختلف تمامًا ؛ مشروع قائم على توظيف الشعارات لخدمة أهداف توسعية ، وإعادة إنتاج السلطة عبر منظومة متشابكة من الخطاب الديني والأمني والأيديولوجي ..

منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، بُنيت شرعية النظام على مجموعة من المفاهيم الكبرى ؛ العدالة ، مقاومة الاستكبار ، نصرة الشعوب ، والدفاع عن القضايا المصيرية في المنطقة .
غير أن الإشكالية الجوهرية لم تكن في الشعارات ذاتها ، بل في الفجوة الواسعة بين الخطاب والممارسة . فمع مرور الزمن ، تحولت تلك العناوين من مبادئ مُعلنة إلى أدوات سياسية تُستخدم لتبرير القمع الداخلي ، والتدخلات الخارجية ، وتوسيع النفوذ الإقليمي تحت غطاء أيديولوجي وديني محكم .
لقد مارس النظام الإيراني نوعًا معقدًا من الاحتيال السياسي ، لا يعتمد فقط على تضليل الخصوم ، بل على إعادة تشكيل وعي الجماهير ، وإقناعها بأن القمع ضرورة ، وأن تصدير الأزمات يُعد مقاومة ، وأن الأزمات الاقتصادية والعزلة الدولية ليست نتيجة خيارات سياسية ، بل “ثمن للمواجهة والصمود”، وهذه إحدى أخطر صور الاحتيال السياسي ؛ حين تُعاد صياغة الحقائق بطريقة تجعل الضحية مقتنعة بأن معاناتها جزء من “المعركة الكبرى”..

وفي الداخل الإيراني ، تكشف التجربة حجم التناقض بين الوعود الثورية والواقع الفعلي ، فالشعب الإيراني ، الذي خرج مطالبًا بالحرية والعدالة والكرامة ، وجد نفسه أمام منظومة أمنية وسياسية مغلقة ، تُقيّد المجال العام ، وتُحكم السيطرة على الإعلام والفكر والحياة السياسية .
لقد أُخضعت تطلعات المواطنين لمعادلة صارمة تقوم على أولوية بقاء النظام فوق أي اعتبار آخر ، حتى وإن جاء ذلك على حساب التنمية والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي .
وعلى الرغم من الثروات والإمكانات البشرية والاقتصادية الهائلة التي تمتلكها إيران ، فإن العقود الماضية شهدت أزمات اقتصادية خانقة ، وتراجعًا في مستويات المعيشة ، وارتفاعًا في معدلات البطالة والتضخم ، في وقت استمرت فيه السلطة في توجيه موارد ضخمة نحو مشاريع النفوذ الخارجي والصراعات الإقليمية ، وهنا تتجلى المفارقة الكبرى ؛ فالنظام الذي رفع شعار الدفاع عن الشعوب ، عجز عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة لشعبه .
أما على المستوى الإقليمي ، فقد استطاع النظام الإيراني توظيف الخطاب العقائدي لبناء شبكة نفوذ واسعة ، قائمة على دعم الجماعات المسلحة ، واستثمار الانقسامات الطائفية والسياسية ، وتحويل الأزمات إلى ساحات نفوذ مفتوحة .
لقد جرى تسويق هذا التمدد بوصفه “دعمًا للمقاومة”، بينما رأت فيه شعوب المنطقة تدخلًا مباشرًا في شؤونها الداخلية ، ومصدرًا إضافيًا للفوضى وعدم الاستقرار ..

إن أخطر ما في التجربة الإيرانية ليس فقط حجم التناقض بين القول والفعل ، بل قدرة النظام على إعادة إنتاج الخطاب ذاته رغم انكشاف نتائجه ، فالأيديولوجيا حين تتحول إلى أداة احتكار سياسي ، تصبح قادرة على إعادة تفسير الفشل باعتباره انتصارًا ، وتحويل الأزمات إلى ذرائع للاستمرار ، وتقديم السلطة بوصفها “حامية للقيم” حتى في أكثر لحظات القمع وضوحًا .
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الأنظمة التي تعتمد على الشعارات أكثر من اعتمادها على الإنجاز الحقيقي ، تبني شرعيتها على الوهم لا على الواقع ، فالقوة الحقيقية للدول لا تُقاس بحجم الخطابات الثورية ، ولا بعدد المعارك التي تخوضها خارج حدودها ، بل بقدرتها على بناء الإنسان، وتحقيق العدالة ، وصيانة كرامة المواطن ، وخلق نموذج تنموي مستقر ينعكس على حياة الناس لا على شعارات السلطة .
ومن هنا ، فإن قراءة تجربة حكم الملالي خلال أكثر من أربعة عقود لا ينبغي أن تقتصر على بعدها السياسي فقط ، بل يجب النظر إليها بوصفها نموذجًا متكاملًا لكيفية توظيف الدين والأيديولوجيا في صناعة شرعية طويلة الأمد ، رغم التناقضات العميقة التي تحيط بها .
إنها تجربة تكشف كيف يمكن للخطاب العقائدي أن يتحول من وسيلة تعبئة فكرية إلى أداة لإدامة النفوذ ، وكيف يمكن للشعارات الكبرى أن تُستخدم أحيانًا لحجب الحقيقة بدلًا من كشفها .
ولعل هذا ما يفسر قدرة بعض الأنظمة على الاستمرار رغم الأزمات والتناقضات ؛ إذ لا تعتمد فقط على أدوات القوة التقليدية ، بل على إعادة تشكيل الوعي العام ، وتحويل الشعارات إلى بديل عن الحقيقة ، والخطاب الأيديولوجي إلى وسيلة لإدامة النفوذ والسلطة .
وفي النهاية ، يبقى أخطر أنواع الاحتيال ذلك الذي يُمارس باسم المبادئ والقيم ، لأن تأثيره لا يقتصر على تضليل الحاضر فحسب ، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي ، وإرباك قدرة الشعوب على التمييز بين الحقيقة والشعار ، وبين المقاومة الحقيقية واستثمار القضايا لتحقيق مشاريع السلطة والنفوذ ..
قال أحد المفكرين : “حين تمتلك السلطة القدرة على تحريف الحقيقة ، يصبح التضليل نظامًا للحكم”..

زر الذهاب إلى الأعلى