آراء

نزار العوصجي: حين يصبح المال العام غنيمة

الفساد ليس مجرد ملف إداري متخم بالأرقام والصفقات المشبوهة ، ولا هو مجرد اختلاس هنا أو رشوة هناك ، بل هو منظومة متكاملة قادرة على إسقاط الدول من الداخل مهما بدت قوية من الخارج ، فالدول لا تنهار دائماً بسبب الحروب ، بل قد تنهار حين تتحول مؤسساتها إلى أدوات لخدمة المصالح الشخصية والحزبية ، وحين يصبح المال العام غنيمة تتقاسمها مراكز النفوذ والقوة .
منذ القدم ، أدركت الشعوب خطورة الفساد ، فجاءت الأمثال والحكم الشعبية لتختصر تجارب طويلة من المعاناة الإنسانية .
فقيل : “اقطع رأس الأفعى لتأمن شرّها”.
وقيل : “اطرق الحديد وهو ساخن”.
هذه الأمثال لا تُقال عبثاً ، بل تعبّر عن ضرورة الحسم وعدم التردد في مواجهة الأخطار قبل أن تستفحل ، فالأفعى لا يمكن ترويضها ، والحديد إن برد فقد صَعُب تشكيله ، وكذلك الفساد ؛ إذا تُرك دون مواجهة حقيقية فإنه يتحول إلى وحش يصعب اقتلاعه .
من هنا ، فإن الحديث عن مكافحة الفساد في العراق لم يعد ترفاً سياسياً أو شعاراً انتخابياً ، بل أصبح ضرورة وطنية لإنقاذ ما تبقى من هيبة الدولة وثقة المواطن ..

رغم ركاكة مفردات اللغة ، فقد أثار خطاب رئيس الوزراء المكلّف ، وما تضمّنه من وعود بمحاربة الفساد وملاحقة الفاسدين ، إهتمام العراقيين الذين أنهكتهم سنوات طويلة من الهدر والفشل وسوء الإدارة ، فالعراقي اليوم لا يريد خطابات منمقة بقدر ما ينتظر أفعالاً حقيقية تعيد إليه الإيمان بأن القانون ما زال قادراً على الانتصار .
لقد عاش العراق سنوات ثقيلة تحوّل فيها الفساد من ظاهرة محدودة إلى منظومة متغلغلة داخل مؤسسات الدولة ، وأصبح النفوذ السياسي غطاءً للحماية ، وأصبحت المحاصصة وسيلة لتقاسم الوزارات والمؤسسات وكأنها ملكيات خاصة تُدار لمصلحة الأحزاب والمتنفذين ، لا لخدمة الشعب .
ومع مرور الوقت ، تمدد الفساد حتى وصل إلى مفاصل الاقتصاد والأمن والخدمات والقضاء ، فتراجعت هيبة الدولة ، وازدادت معاناة المواطن الذي وجد نفسه محروماً من أبسط حقوقه رغم الثروات الهائلة التي يمتلكها العراق .
ولعل أخطر ما في الفساد أنه لا يسرق المال فقط ، بل يسرق الأمل أيضاً ، فهو يدفع الشباب إلى اليأس والهجرة ، ويزرع الإحباط في نفوس المواطنين ، ويقنع الناس بأن الكفاءة لم تعد طريقاً للنجاح ، بل إن الولاء والفساد والمحسوبية هي الطريق الأقصر للوصول إلى السلطة والثروة ، وهنا تتحول الدولة تدريجياً من مؤسسة تخدم المجتمع إلى كيان يخدم فئة محددة تحتكر القرار والثروة والنفوذ ..

حين نتحدث عن ضرورة “قطع رأس الأفعى”، فإن المقصود ليس الانتقام أو تصفية الحسابات السياسية ، بل التأكيد على أن أي مشروع إصلاحي حقيقي لا يمكن أن يبدأ من الأطراف ويترك الرؤوس الكبرى بمنأى عن المساءلة ، فالشعوب لا تؤمن بمحاربة الفساد حين ترى صغار الموظفين خلف القضبان بينما يبقى أصحاب القرار الكبار فوق القانون .
ومن هذا المنطلق ، يرى الكثير من العراقيين أن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي يمثل رمزاً لمرحلة شهدت توسعاً غير مسبوق في الفساد الإداري والمالي والسياسي ، فخلال سنوات حكمه ، تعاظم نفوذ الأحزاب ، وازدادت هيمنة المصالح الضيقة على مؤسسات الدولة ، وتراجعت الخدمات بشكل لافت رغم الموازنات الضخمة التي دخلت خزينة العراق آنذاك ، كما أن العديد من الأزمات التي عاشها العراق لاحقاً ارتبطت ، بطبيعة السياسات التي أُديرت بها الدولة خلال تلك المرحلة ، لذا فأن القاء القبض على المالكي ومسألته سيؤدي إلى كشف الجزء الأكبر من عملية الفساد ..

إن الشارع العراقي اليوم لا يبحث عن خصومة سياسية مع هذا الطرف أو ذاك ، بل يبحث عن عدالة حقيقية يشعر معها المواطن بأن القانون قادر على الوصول إلى الجميع بلا استثناء ، لأن جوهر الدولة العادلة يكمن في المساواة أمام القانون ، لا في استخدام القانون ضد الضعفاء فقط .
كما أن عامل الوقت بالغ الأهمية ، فالإصلاح لا يحتمل التأجيل ، والتردد في مواجهة الفساد يمنحه فرصة لإعادة إنتاج نفسه بأشكال جديدة ، ولذلك فإن الحكومات التي تتحدث عن الإصلاح ثم تتراجع أمام الضغوط السياسية تفقد سريعاً ثقة الجماهير .
أما الحكومات التي تمتلك الجرأة على اتخاذ قرارات صعبة ، فإنها وإن واجهت مقاومة شرسة في البداية ، إلا أنها تكسب احترام الشعوب والتاريخ .
لقد دفع العراقيون ثمناً باهظاً بسبب الفساد ؛ انهارت الخدمات ، وتراجعت البنية التحتية ، وتفشت البطالة ، وضاعت آلاف مليارات الدولارات دون أن يلمس المواطن أثراً حقيقياً لها على حياته اليومية ، والمفارقة المؤلمة أن العراق ، رغم موارده النفطية الهائلة ، ما زال يعاني من أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم ، وهي أزمات تكشف بوضوح حجم الخلل الذي أصاب إدارة الدولة ..

إن مكافحة الفساد ليست مجرد حملة إعلامية ، بل معركة مصيرية تتطلب إرادة سياسية حقيقية وقضاءً مستقلاً ومؤسسات رقابية قوية ، والأهم من ذلك حماية القرار الوطني من نفوذ المصالح الحزبية والشخصية ، فلا يمكن لأي حكومة أن تنتصر في هذه المعركة إذا كانت أدوات الفساد نفسها جزءاً من بنية الحكم .
والتاريخ يعلمنا أن الدول التي تتسامح مع الفساد تُمهّد تدريجياً لسقوطها ، لأن الفساد يلتهم المؤسسات من الداخل كما تأكل النار الحطب ، أما الدول التي تمتلك شجاعة المواجهة فإنها ، مهما تعثرت ، تستطيع استعادة قوتها وبناء مستقبل أفضل لشعوبها .
إن العراقيين اليوم يقفون أمام لحظة مفصلية ؛ فإما أن تكون مكافحة الفساد بداية حقيقية لبناء دولة العدالة والمؤسسات ، وإما أن تبقى مجرد شعار سياسي يتكرر مع كل حكومة جديدة ثم يتلاشى تحت ضغط المصالح والتوازنات ، وبين هذا وذاك ، يبقى المواطن العراقي هو من يدفع الثمن ، منتظراً اليوم الذي يرى فيه القانون أقوى من النفوذ ، والدولة أقوى من الفساد ..

زر الذهاب إلى الأعلى