مقالات رئيس التحرير

د. علي الجابري: دخول كوريا الجنوبية على خط هرمز.. من حماية الطاقة الى إعادة توزيع عب الأمن البحري

تشكل الخطوة التي اعلنتها كوريا الجنوبية حول استعدادها لإرسال أصول عسكرية الى مضيق هرمز أهمية بالغة تتجاوز بكثير حجم القوة التي يمكن ان تنشرها هناك. 

ووفقاً للمعلومات المتداولة، تشمل التحضيرات الكورية الحالية نشر طائرات دورية بحرية من طراز “P-8 Poseidon” ، وفريقاً للتعامل مع المتفجرات من قوات العمليات البحرية الخاصة، إضافة الى سفينة دعم لوجستي.

ورغم ان الرئاسة الكورية قالت ان القرار لم يُـتّخذ بعد وسيعرض على البرلمان، إلا ان الاعلان بحد ذاته يعني ان كوريا الجنوبية قررت الاستجابة للضغوط الامريكية التي طالبتها اكثر من مرة المشاركة في تأمين هرمز، واعلن ترامب سابقا انها رفضت الطلب، لكنها استجابت اخيراً على ما يبدو.. وبات خيار المشاركة قريبا بعد ان انتقل النقاش من مستوى سياسي عام إلى بحث قواعد التشغيل والموانئ والدعم اللوجستي، وهو ما يفصح عن وجود جدية اكثر من اي وقت مضى للمشاركة الفعلية في تأمين مضيق هرمز من القرصنة الايرانية.

القراءة الاولى لهذا التحرك ترتبط بأمن الطاقة، حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً، يذهب نحو 80 بالمئة منها الى آسيا.. وتعد كوريا الجنوبية واليابان من الاقتصادات التي تعتمد بدرجة عالية على تدفقات النفط القادمة عبر المضيق، وبالتالي فإن توقف الامدادات عبر مضيق هرمز او توقفها بالنسبة لكوريا الجنوبية لا يعد أزمة بعيدة جغرافياً، بل يشكل تهديداً مباشراً يضرب عمق الأمن القومي الكوري وتكلفة الطاقة وسلاسل الامداد.

لكن على ما يبدو فإن نوع القوات التي يجري الحديث عن مشاركتها يتجاوز مجرد حماية السفن.. فالـ”P-8 Poseidon” وفقاً للخبراء، منصة متخصصة في المراقبة البحرية وتعقب السفن والغواصات.. فيما يشير نشر وحدات التعامل مع المتفجرات التابعة للقوات البحرية الى استعداد للتعامل مع الالغام والتهديدات تحت سطح الماء والعمل المشترك مع قوات بحرية أجنبية.. أما سفينة الدعم اللوجستي فتعني أن كوريا الجنوبية لا تفكر في مهمة قصيرة أو رمزية فقط، بل في قدرة يمكن ادامتها عملياتياً إذا صدر القرار السياسي، الذي سيكون اول نشر كوري لطائرات دورية بحرية من هذا النوع في المنطقة.

الدلالة الاستراتيجية

ومن مراجعة لطبيعة القوات التي ستنتشر في المنطقة، يمكن القول ان الدلالة الاستراتيجية الأبرز تتمثل في ان الولايات المتحدة تحاول بصورة متزايدة إعادة توزيع تكلفة حماية النظام البحري الذي تعتمد عليه الاقتصادات الاسيوية الكبرى.. لان الضغط الامريكي على كوريا الجنوبية للمساهمة في أمن مضيق هرمز يجعل المسألة جزءاً من نقاش أوسع حول تقاسم الاعباء داخل شبكة التحالفات الامريكية.

واذا ما نفذ الانتشار الكوري، فإنه يمثل بداية انتقال نوعي في مفهوم أمن مضيق هرمز، من نموذج تقوم فيه الولايات المتحدة بالدور العسكري المركزي، ويكتفي المستوردين الآسيويين بالدعم السياسي، إلى نموذج تتحمل فيه تلك الدول جزءاً مباشراً من عبء حماية خطوط الطاقة التي تعتمد عليها.

حسابات إيران

وهذا التحول في حسابات النظام الايراني مهم أيضاً، لان وجود قوة كورية منفردة لن يغير موازين القوى في الخليج، لكن اذا تحول النموذج الى مشاركة أوسع من كوريا الجنوبية واليابان ودول اوروبية وقوى بحرية أخرى، فإن أي تهديد للملاحة في مضيق هرمز لن يعود مواجهة ثنائية بين النظام الايراني والولايات المتحدة فقط، بل قد يمس مصالح وقوات مجموعة واسعة من الدول المستوردة للطاقة، وعندها سترتفع الكلفة السياسية والاستراتيجية لأي محاولة لنظام طهران لاستخدام المضيق كورقة ضغط.

ويحمل هذا المسار في المقابل مخاطرة واسعة، لان اتساع الحضور العسكري الدولي حول مضيق هرمز قد يرفع مستوى الردع، لكنه قد يزيد احتمالات الاحتكاك وسوء التقدير، خصوصاً إذا تداخلت مهام حماية الملاحة مع الحرب الامريكية الايرانية القائمة حالياً.. وهذه نقطة حساسة بالنسبة لكوريا الجنوبية التي تحاول الموازنة بين تحالفها مع الولايات المتحدة، وبين تجنب الانخراط المباشر في صراع لا تريد ان تُصبح طرفاً فيه، ولهذا تظل موافقة مجلس الأمن القومي والحكومة والبرلمان الكوري حاسمة قبل أي انتشار فعلي.

الخلاصة

يمكن القول ان الخلاصة ليست في عدد الطائرات أو حجم السفينة التي قد ترسلها كوريا الجنوبية، بل هي ان دولة آسيوية كبرى تعتمد على طاقة الخليج تقترب من الانتقال من موقع المستفيد من أمن الممرات البحرية الى موقع المشارك في إنتاج هذا الأمن عسكرياً.. وإذا تبعتها دول أخرى، فقد يكون ما يجري في مضيق هرمز مقدمة لإعادة تشكيل طويلة الأمد لمنظومة الأمن البحري في الخليج، تجعل من حماية خطوط الطاقة مسؤولية دولية موزعة على العديد من الدول لا مهمة أمريكية منفردة. وهو ما قد يغير الموازين ويقلب الطاولة على النظام الإيراني ويحرمه من ورقة المساومة الوحيدة التي يتحكم فيها الحرس الثوري حالياً.

زر الذهاب إلى الأعلى