أسعار الغاز الأوروبي تتجاوز 100 يورو للمرة الأولى منذ 2022 وسط مخاوف من أزمة طاقة شتوية
قفزت أسعار الغاز الأوروبي فوق 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة لأول مرة منذ أزمة 2022، وسط انخفاض المخزونات وتعطل صادرات الغاز المسال من الخليج وتوقعات بشتاء بارد.
يورو تايمز – باريس
قفزت أسعار الغاز الطبيعي في الأسواق الأوروبية، الأربعاء 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026، فوق حاجز 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة، للمرة الأولى منذ أزمة الطاقة التي شهدتها القارة عام 2022، في تطور يثير المخاوف من موجة جديدة من ارتفاع تكاليف التدفئة والإنتاج الصناعي مع اقتراب فصل الشتاء.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «لو باريزيان» نقلاً عن وكالة فرانس برس، وصل عقد الغاز الهولندي «TTF»، المرجع الرئيسي للأسعار في أوروبا، إلى نحو 100.45 يورو لكل ميغاواط/ساعة عند الساعة 15:55 بتوقيت باريس. ويمثل ذلك ارتفاعاً يتجاوز 250% منذ بداية العام، رغم بقاء السعر بعيداً عن ذروة بلغت 345 يورو في مارس/آذار 2022.
مخاوف من تصعيد جديد في الشرق الأوسط
تربط الأسواق الارتفاع المتسارع باحتمال استئناف الضربات العسكرية الأميركية ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، وما قد يعقب ذلك من ردود تستهدف منشآت الطاقة أو طرق الشحن في الخليج. وهذه السيناريوهات تعكس مخاوف المتعاملين وليست أحداثاً عسكرية مؤكدة.
ونقلت الصحيفة عن تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» أن واشنطن أبلغت دولاً خليجية بضرورة الاستعداد لاحتمال حملة عسكرية قصيرة ومكثفة بعد الانتخابات، وهو ما زاد القلق بشأن استقرار إمدادات النفط والغاز.
صادرات الغاز المسال من الخليج تحت الضغط
على الرغم من التحسن النسبي في حركة صادرات النفط الخام من الشرق الأوسط، لا تزال شحنات الغاز الطبيعي المسال الخارجة من الخليج محدودة. وقال نورمان ليبكه، المحلل في مصرف «كومرتس بنك»، إن صادرات قطر من الغاز المسال تتراوح حالياً بين 20% و30% فقط من طاقتها الإنتاجية.
ويدفع هذا النقص المستمر المشترين في أوروبا وآسيا إلى التنافس على الشحنات المتاحة في الأسواق الفورية، ولا سيما الشحنات التي لم تُخصص مسبقاً بموجب عقود طويلة الأجل. ويؤدي ارتفاع الطلب على كميات محدودة إلى زيادة الأسعار حتى قبل بدء ذروة الاستهلاك الشتوي.
وأفادت صحيفة «لوموند» بأن اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز ما زالت تعوق صادرات الغاز، رغم تحسن محدود في عدد شحنات الغاز المسال العابرة خلال سبتمبر/أيلول مقارنة بأغسطس/آب.
مخزونات أوروبية أقل من العام الماضي
تزيد مستويات التخزين المنخفضة من هشاشة الأسواق الأوروبية. فقد بلغت نسبة امتلاء خزانات الغاز في الاتحاد الأوروبي يوم الثلاثاء 27 أكتوبر نحو 74.93%، مقارنة بـ82.91% في التاريخ نفسه من العام الماضي، وفق بيانات منصة «AGSI» الأوروبية.
وتبدو الصورة أكثر إثارة للقلق في ألمانيا، أكبر مستهلك للغاز في أوروبا، حيث لم تتجاوز نسبة امتلاء المخزونات 61.65%. وتؤدي هذه الفجوة إلى زيادة اعتماد الدول الأوروبية على الواردات الجديدة خلال الأشهر الباردة، في وقت تتنافس فيه مع أسواق آسيوية على الكميات المتاحة.
طقس أبرد ورياح أضعف
لا يقتصر الضغط على الأسواق على التطورات الجيوسياسية. إذ تشير توقعات الطقس إلى انخفاض درجات الحرارة دون معدلاتها الموسمية خلال الأسبوع الأول من نوفمبر، ما يرجح ارتفاع الطلب على التدفئة.
وحذر آرنه لوهمان راسموسن، المحلل لدى «غلوبال ريسك مانجمنت»، من توقعات بانخفاض كبير في إنتاج طاقة الرياح شمال غربي أوروبا خلال الأسبوعين المقبلين. وعندما يتراجع إنتاج الكهرباء من الرياح، تضطر بعض الدول إلى زيادة استخدام محطات توليد الكهرباء العاملة بالغاز، ما يرفع الاستهلاك والأسعار في الوقت نفسه.
وتضاف إلى ذلك أعمال صيانة مرتقبة في منشآت النرويج، وهي مورد رئيسي للغاز الأوروبي عبر الأنابيب، ما يزيد حساسية الأسواق لأي انقطاع إضافي في الإمدادات.
هل ترتفع فواتير الأسر والشركات؟
لا يعني تجاوز سعر الغاز في سوق الجملة مستوى 100 يورو أن فواتير جميع الأسر الأوروبية سترتفع فوراً بالمقدار نفسه؛ إذ تعتمد الأسعار النهائية على العقود ومدد تثبيت الأسعار والضرائب والسياسات المحلية. لكن استمرار الأسعار المرتفعة يمكن أن ينعكس تدريجياً على فواتير التدفئة والكهرباء وعلى تكاليف الشركات كثيفة استهلاك الطاقة.
وذكرت وكالة «رويترز» أن قطاعات مثل الصناعات الكيميائية والأسمدة والصلب تتعرض لضغوط متزايدة، وأن بعض المصانع خفضت إنتاجها بالفعل بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة. كما أن العقود المنزلية قد تتأثر بعد فترة تأخير تبعاً لآليات التسعير المعتمدة في كل بلد.
هل يمكن أن تنخفض الأسعار مجدداً؟
يرى المحلل نورمان ليبكه أن تراجع التوترات في الشرق الأوسط قد يسمح بهبوط الأسعار إلى نحو 50 يورو لكل ميغاواط/ساعة، لكنه لا يتوقع عودة سريعة إلى مستويات ما قبل الحرب. ويعزو ذلك جزئياً إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية القطرية للغاز، والتي قد تقيد جزءاً من القدرة التصديرية حتى عام 2028.
وفي المقابل، تحذر تحليلات سوق الطاقة من أن اجتماع شتاء شديد البرودة مع اضطرابات جديدة في الإمدادات قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير. ويظل اتجاه الأسعار مرهوناً بتطورات الحرب، وسلامة طرق شحن الغاز المسال، ووتيرة استهلاك المخزونات الأوروبية خلال الأشهر المقبلة.
وتواجه الحكومات الأوروبية بذلك اختباراً جديداً في إدارة أمن الطاقة وحماية المستهلكين والصناعات، بعد أربع سنوات من الأزمة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا.
شاهد أيضًا
رابط الفيديو على يوتيوب: انقر هنا (https://www.youtube.com/watch?v=g7Nc74WT0fE)
