آراء

نزار العوصجي: بين ملكٍ يقترب من شعبه، وسلطةٍ ابتعدت عن شعبها..

مقال رأي لنزار العوصجي يقارن بين زيارة الملك عبد الله الثاني إلى الكرك ومسؤولية السلطة في العراق تجاه المواطنين، ويتناول مأساة بغديدا والمحاسبة وكرامة الإنسان.

المواقف تكشف حقيقة القيادة، ويصبح غياب المسؤولية جرحاً في ضمير الوطن.

ليست القيادة لقباً يُمنح، ولا منصباً يُتربع عليه، ولا نفوذاً يُستخدم لفرض الإرادة على الآخرين؛ إنما هي مسؤولية أخلاقية ووطنية، تتجلى حقيقتها في المواقف الصعبة، حين تُختبر القيم، وتنكشف معادن الرجال، ويظهر الفارق بين من يرى في السلطة أمانةً لخدمة الناس، ومن يتعامل معها باعتبارها امتيازاً يعلو به على أبناء شعبه.

«ليست القيادة لقباً يُمنح، ولا منصباً يُتربع عليه، ولا نفوذاً يُستخدم لفرض الإرادة على الآخرين؛ إنما هي مسؤولية أخلاقية ووطنية»

إن زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم إلى مدينة الكرك، في أعقاب الأحداث المؤلمة التي شهدتها، تحمل معاني تتجاوز حدود الزيارة الرسمية.

فهي تعكس صورة القيادة التي تدرك أن واجبها لا ينحصر في إدارة شؤون الدولة من خلف المكاتب، بل يمتد إلى مشاركة المواطنين محنتهم، والاقتراب من آلامهم، والتعبير عن التضامن معهم في اللحظات التي يحتاجون فيها إلى الشعور بأن قيادتهم تقف إلى جانبهم.

وهذا السلوك ليس مستغرباً ممن تربّى على قيم اجتماعية وأخلاقية تجعل احترام الإنسان والوقوف إلى جانبه جزءاً من المسؤولية.

فالمكانة الملكية الحقيقية لا تتجلى في المراسم والألقاب وحدها، بل في القدرة على تحويل الموقع الرسمي إلى موقف إنساني، وفي إدراك أن هيبة الدولة لا تتعارض مع التواضع أمام آلام الناس، بل تزداد رسوخاً حين يشعر المواطن بأن كرامته تحظى بالاحترام.

لكن الصورة، مع الأسف، تبدو مختلفة حين نلتفت إلى العراق، ذلك البلد الذي لم يبخل على أبنائه بالتاريخ والحضارة والثروات، لكنه ابتُلي، منذ عام 2003، بأزمات سياسية متلاحقة، وصراعات على السلطة والنفوذ، ومنظومة محاصصة أضعفت مؤسسات الدولة، وأثقلت حياة المواطنين، وفتحت أبواباً واسعة أمام الفساد وسوء الإدارة وتراجع الثقة بين الشعب والحاكم.

لقد دفع العراقيون أثماناً باهظة من أمنهم واستقرارهم ومواردهم ومستقبل أبنائهم.

وعلى الرغم من الثروات الهائلة التي يمتلكها العراق، ما زال المواطن يتساءل عن أسباب تعثر الخدمات، وتراجع فرص العمل، واستمرار الفساد، وضعف المحاسبة، وعن السر الذي يجعل الأزمات تتكرر بينما تبقى المسؤوليات موزعة بين أطراف تتبادل الاتهامات، وكأن الدولة بلا صاحب، وكأن معاناة العراقيين لا تستحق وقفة جادة تنهي دوامة الفشل.

وتبقى مأساة بغديدا، بما تحمله من ألم ووجع في الذاكرة العراقية، مثالاً بالغ القسوة على ضرورة مساءلة المسؤولين عن حماية المواطنين، وضمان سلامتهم، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره وفق القانون.

فحين تقع الكوارث التي تحصد أرواح الأبرياء، لا يجوز أن تنتهي الحكاية عند إعلان الحداد أو تقديم التعازي؛ إذ إن حق الضحايا لا يكتمل إلا بكشف الحقيقة، وإنصاف ذويهم، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ إجراءات تمنع تكرار المأساة.

«حق الضحايا لا يكتمل إلا بكشف الحقيقة، وإنصاف ذويهم، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ إجراءات تمنع تكرار المأساة.»

إن احترام الضحايا لا يكون بالكلمات وحدها، بل بتحويل الألم إلى إرادة للإصلاح، والحزن إلى عدالة، والتعاطف إلى قرارات عملية.

أما أن تتكرر المآسي، ثم تنشغل القوى السياسية بتبادل الاتهامات أو حساب المكاسب والخسائر، فذلك يضاعف جراح الناس ويعمّق شعورهم بأن حياتهم ليست في صدارة اهتمامات من يتولون إدارة شؤونهم.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن ضمير كل عراقي: كيف يمكن لدولة تمتلك كل هذه الثروات والإمكانات أن تعجز عن توفير الحد الأدنى من الطمأنينة والكرامة لمواطنيها؟

وكيف يتحول المنصب، الذي يفترض أن يكون تكليفاً لخدمة الشعب، لدى بعض المتنفذين إلى وسيلة لتعزيز النفوذ وحماية المصالح؟

وأي معنى للعمل السياسي إذا لم تكن حياة الإنسان العراقي وحقوقه وأمنه هي الغاية الأولى والأخيرة؟

إن المشكلة ليست في نقص الشعارات الوطنية، ولا في كثرة الوعود الانتخابية، بل في الفجوة العميقة بين القول والفعل، وبين ادعاء خدمة الشعب وممارسة السلطة بمعزل عن تطلعاته.

اقرأ أيضاً: د. علي الجابري: للجادرية وباريس وجهٌ واحد.. إنهم لا يسرقون الكتب!

فالعراقيون لا يحتاجون إلى من يذكّرهم كل يوم بعظمة تاريخهم، بقدر حاجتهم إلى من يصون حاضرهم، ويحمي مستقبل أبنائهم، ويعيد للدولة هيبتها من خلال العدالة والكفاءة والنزاهة، لا من خلال استعراض القوة أو التمسك بالمناصب.

ولا تعني هذه المقارنة أن تجربة أي دولة تخلو من الأخطاء أو أن الزيارات الميدانية وحدها تكفي للحكم على أداء القيادات؛ فالمعيار الحقيقي هو ما يرافق المواقف من سياسات وقرارات ونتائج ملموسة.

غير أن حضور القيادة بين المواطنين في أوقات الشدة يظل رسالة إنسانية وسياسية مهمة، لأنه يعكس إدراكاً بأن المسؤولية تبدأ من الإنسان وتنتهي عند حقوقه وكرامته.

أما العراق، فهو بحاجة إلى مراجعة وطنية جادة تعيد الاعتبار لمفهوم المسؤولية، وتضع حداً للإفلات من المحاسبة، وتحرر مؤسسات الدولة من هيمنة المصالح الحزبية والشخصية، وتعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.

فالأوطان لا تُدار بمنطق الغنائم، ولا تُبنى بتقاسم النفوذ، ولا تستعيد عافيتها ما دامت الكفاءة آخر ما يُبحث عنه، والولاء السياسي مقدماً على الولاء للوطن.

«فالأوطان لا تُدار بمنطق الغنائم، ولا تُبنى بتقاسم النفوذ، ولا تستعيد عافيتها ما دامت الكفاءة آخر ما يُبحث عنه»

لقد آن الأوان لكي يدرك المتسلطون على القرار العراقي أن السلطة ليست ملكاً شخصياً، وأن الشعب ليس تابعاً لأحد، وأن المناصب مهما طال البقاء فيها زائلة، بينما تبقى آثار القرارات والمواقف شاهدة على أصحابها.

فالتاريخ لا يمنح صكوك البراءة لمجرد امتلاك السلطة، ولا يعفي أحداً من المسؤولية لأن الزمن مرّ أو لأن الأصوات ارتفعت لتغطية الحقيقة.

إن الفارق بين القيادة التي تحترم شعبها والسلطة التي تستنزف صبره ليس في الألقاب ولا في المظاهر، بل في مقدار ما يشعر به المواطن من أمن وكرامة وعدالة.

وفي نهاية المطاف، سيظل العراقي يسأل: متى يصبح الإنسان أغلى من المنصب، والوطن أكبر من الحزب، والمسؤولية أسمى من المصالح؟

ومتى يرى في المسؤول خادماً للصالح العام، لا سيداً على رقاب الناس؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي للقيادة، وتلك هي القضية التي ينبغي أن تشغل ضمير العراق كله؛ فالأوطان لا تنهض بمجرد تغيير الوجوه، بل بتغيير النهج، وإرساء دولة القانون، وإعادة الإنسان إلى المكانة التي يستحقها.

فالشعوب لا تطلب من حكامها المستحيل؛ إنها تطلب فقط ألا تُترك وحيدة حين تنزل بها الكوارث، وألا تضيع حقوقها بين دهاليز السياسة، وألا يصبح الألم قدراً متكرراً لا يجد من يضع له نهاية.

مقالات سابقة للكاتب

شاهد أيضًا

ألف شجرة في #شنغهاي: مبنى تعلوه الأشجار على نهر سوتشو | 1000 Trees, Shanghai 4Kللمشاهدة عبر تطبيق يوتيوب انقر هنا

رابط الفيديو على يوتيوب: انقر هنا (https://www.youtube.com/watch?v=MN2z_fJGZL8)

زر الذهاب إلى الأعلى