نزار العوصجي: الدولار يحاكم العراق، والمواطن يدفع الثمن..

نزار العوصجي يكتب عن خفض قيمة الدينار العراقي وتداعيات سعر الدولار على القدرة الشرائية للمواطن، في ظل الضغوط المالية والصراعات الإقليمية.
حين تتحول الصراعات الإقليمية إلى فاتورة يدفعها العراقي من قوته اليومي..
لم يعد ارتفاع سعر صرف الدولار في العراق مجرد رقم يتغير في شاشات الصرافين، ولا قضية مالية تخص المصارف والبنك المركزي وحدهما، بل أصبح عنواناً لأزمة أعمق تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد، والقرار السيادي بالضغوط الإقليمية والدولية، بينما يقف المواطن العراقي في نهاية السلسلة ليدفع الثمن.
فقد أعلن البنك المركزي العراقي اليوم، 7 تشرين الأول 2026، تعديل سعر صرف الدينار، ليصبح سعر بيع الدولار النقدي للجمهور 1,520 ديناراً، مقابل 1,510 ديناراً للمصارف، و1,500 دينار لشراء الدولار من وزارة المالية.
ووفقاً لرويترز، يمثل هذا القرار خفضاً لقيمة الدينار بنحو 14.5% عن السعر الرسمي السابق، في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً مالية مرتبطة بتراجع صادرات النفط والاضطرابات الإقليمية.
قد تبدو الأرقام للمتخصصين في الاقتصاد مجرد أدوات لإدارة المالية العامة، لكنها بالنسبة للمواطن تعني شيئاً مختلفاً تماماً.
إنها تعني أن قوة راتبه الشرائية تتعرض لضغط جديد.
المواطن العراقي، الحلقة الأضعف..
العراق اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، ولذلك فإن أي اضطراب في إنتاجه أو تصديره أو في تدفق عائداته ينعكس سريعاً على المالية العامة والعملة والأسواق.
وتشير بيانات وتقارير حديثة إلى أن صادرات النفط العراقية تعرضت لضغوط كبيرة نتيجة الاضطرابات الإقليمية، الأمر الذي زاد الضغط على إيرادات الدولة.
كما أن مشروع موازنة 2027 يفترض سعراً للنفط يبلغ 58 دولاراً للبرميل، مع إنفاق يقارب 217 تريليون دينار وعجز يتجاوز 40 تريليون دينار.
لكن المواطن لا يستطيع أن يدير اقتصاده الشخصي بالطريقة التي تدير بها الدولة موازنتها.
فالمواطن الذي يتقاضى راتباً ثابتاً لا يستطيع رفع راتبه كلما ارتفع الدولار.
«فالمواطن الذي يتقاضى راتباً ثابتاً لا يستطيع رفع راتبه كلما ارتفع الدولار.»
والعامل اليومي لا يستطيع أن يضاعف أجره كلما ارتفعت كلفة الاستيراد.
وربة الأسرة لا تستطيع أن تطلب من السوق تخفيض أسعار الغذاء والدواء والإيجار والنقل.
ولهذا فإن انخفاض قيمة العملة لا يبقى محصوراً في عالم الأرقام؛ بل ينتقل سريعاً إلى المائدة، والصيدلية، والسوق، والإيجار، والمدرسة، ومصاريف الحياة اليومية.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: من يتحمل كلفة الأزمة؟
العراق بين اقتصاده وصراعات الآخرين..
الأكثر إثارة للقلق أن الاقتصاد العراقي لا يعيش بمعزل عن الصراعات الإقليمية.
فالعراق يقع في منطقة شديدة الاضطراب، كما أن علاقاته الاقتصادية والمالية مع النظام الدولي تجعله متأثراً بصورة مباشرة بالتوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي الوقت نفسه، توجد داخل العراق فصائل مسلحة ترتبط سياسياً وعسكرياً بإيران، وقد واجهت الحكومة خلال الفترة الماضية تحديات في التعامل مع ملف سلاحها وعلاقتها بطهران.
وقد وثقت رويترز وجود خلافات بين الحكومة وبعض هذه الفصائل بشأن مسألة نزع السلاح والارتباطات الإقليمية.
وهنا تظهر قضية لا يمكن تجاهلها:
هل يستطيع العراق حماية اقتصاده إذا أصبح جزء من ساحته السياسية والأمنية مرتبطاً بصراعات تتجاوز حدود الدولة؟
السؤال ليس موجهاً ضد دولة بعينها، ولا يعني أن العراق مطالب بالدخول في مواجهة مع أي طرف إقليمي.
بل يعني ببساطة أن المصلحة العراقية يجب أن تكون المعيار الأول في السياسة الاقتصادية والمالية.
فالعراق يحتاج إلى علاقات متوازنة مع الجميع، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى حماية نظامه المالي من أن يتحول إلى ساحة للصراع بين الآخرين.
الدولار ليس المشكلة الوحيدة..
قد يكون من السهل تحميل الدولار مسؤولية كل ما يحدث، لكن المشكلة أعمق من سعر الصرف.
فالدولار في الحالة العراقية يرتبط بالنفط، والنفط يرتبط بالتصدير، والتصدير يرتبط بالأمن والاستقرار الإقليمي، والمالية العامة تعتمد على الإيرادات النفطية بدرجة كبيرة.
كما أن جزءاً كبيراً من التجارة العراقية يعتمد على الاستيراد.
وبالتالي، فإن أي اضطراب في هذه السلسلة يمكن أن يتحول في النهاية إلى ضغط على الدينار والأسعار ومستوى معيشة المواطن.
وهذا ما يجعل قضية العملة قضية سيادة اقتصادية وليست مجرد قضية نقدية.
بين الرواية الحكومية وقلق الشارع..
البنك المركزي يقول إن احتياطيات العراق الأجنبية كافية، وإن التعديل يهدف إلى دعم الاستقرار المالي وتشجيع الإنتاج المحلي والصناعة الوطنية وجعل المنتجات العراقية أكثر قدرة على المنافسة أمام المستورد.
وهذه أهداف اقتصادية مفهومة من حيث المبدأ.
لكن نجاحها يتوقف على سؤال جوهري: هل يستطيع الاقتصاد العراقي فعلاً تحويل انخفاض قيمة الدينار إلى زيادة في الإنتاج المحلي، أم أن النتيجة الأسرع ستكون ارتفاع كلفة السلع المستوردة وتراجع القدرة الشرائية؟
فالاقتصاد المنتج يستطيع في بعض الحالات الاستفادة من انخفاض قيمة العملة من خلال زيادة تنافسية صادراته.
أما الاقتصاد الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، فإن انخفاض قيمة العملة قد ينتقل سريعاً إلى الأسعار.
وهنا تحديداً ينبغي أن تكون حماية المواطن جزءاً أساسياً من أي سياسة نقدية.
«وهنا تحديداً ينبغي أن تكون حماية المواطن جزءاً أساسياً من أي سياسة نقدية.»
المشكلة ليست في المواطن..
المواطن العراقي لم يختر العقوبات المفروضة على إيران.
ولم يختر الصراع الأميركي–الإيراني.
ولم يختر اضطراب أسواق النفط.
ولم يختر الحروب التي تدور في المنطقة.
ولم يختر أن يصبح العراق ساحة للتجاذبات الإقليمية.
ومع ذلك، يجد نفسه أمام أسعار ترتفع، وعملة تتراجع قيمتها، ودخل يفقد جزءاً من قوته الشرائية.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرح بقوة ليس: كم أصبح سعر الدولار؟
بل: كم أصبح ثمن حياة العراقي؟
الاقتصاد يحتاج إلى قرار عراقي..
العراق يمتلك ما لا تملكه كثير من الدول: النفط، والموقع الجغرافي، والموارد البشرية، والسوق الداخلية، والإمكانات الزراعية والصناعية والاستثمارية.
لكن هذه الإمكانات تحتاج إلى بيئة مستقرة وقرار اقتصادي واضح.
إن حماية الدينار لا تكون بالبيانات وحدها، وحماية المواطن لا تكون بالتصريحات، وإنقاذ الاقتصاد لا يكون بمعالجة نتائج الأزمة بعد وقوعها.
«إن حماية الدينار لا تكون بالبيانات وحدها، وحماية المواطن لا تكون بالتصريحات، وإنقاذ الاقتصاد لا يكون بمعالجة نتائج الأزمة بعد وقوعها.»
المطلوب هو بناء اقتصاد يستطيع أن ينتج، ويصدّر، ويستثمر، ويوفر فرص العمل، ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويحصّن النظام المالي من التدفقات غير المشروعة، ويحافظ على علاقاته الدولية دون أن يتحول إلى أداة في صراعات الآخرين.
كما أن حماية عائدات النفط والنظام المصرفي العراقي أصبحت جزءاً أساسياً من مفهوم السيادة الوطنية. فالعائدات النفطية العراقية ما زالت مرتبطة بنظام مالي دولي يمنح الولايات المتحدة نفوذاً مهماً على حركة الأموال والدولار العراقي، وهو ما يجعل العلاقة بين السياسة والاقتصاد أكثر حساسية من أي وقت مضى.
لا يجوز أن يدفع العراقي ثمن صراعات لا يقررها..
في النهاية، القضية ليست قضية دولار فقط، إنها قضية قرار.
أي قرار اقتصادي، قرار سياسي، قرار مالي، قرار سيادي.
فالدولة التي تريد حماية شعبها عليها أن تضع مصالح شعبها أولاً، وأن تمنع اقتصادها من التحول إلى رهينة للتجاذبات الخارجية.
العراق لا يحتاج إلى عزل نفسه عن محيطه، ولا إلى قطع علاقاته مع جيرانه، ولا إلى الدخول في صراعات جديدة.
لكنه يحتاج إلى شيء أكثر أهمية:
أن يكون العراق أولاً في العراق.
أن يكون الدينار لخدمة الاقتصاد العراقي.
وأن تكون عائدات النفط لخدمة العراقيين.
وأن تكون المصارف العراقية محمية من الاستخدامات التي تعرضها للعقوبات والضغوط.
وأن تكون السياسة الخارجية عاملاً في حماية الاقتصاد، لا سبباً إضافياً لإضعافه.
فالمواطن العراقي الذي تحمل سنوات طويلة من الحروب والأزمات لا ينبغي أن يجد نفسه اليوم أمام أزمة جديدة يدفع ثمنها من قوته اليومي.
فإذا كانت الدولة تستطيع أن تحمي حدودها السياسية، فعليها أن تحمي حدودها الاقتصادية أيضاً.
لأن السيادة لا تبدأ من السلاح وحده، ولا تنتهي عند الحدود.
السيادة الحقيقية تبدأ عندما يصبح القرار الاقتصادي عراقياً، وتصبح مصلحة المواطن العراقي فوق كل اعتبار..
مقالات سابقة للكاتب
نزار العوصجي: رياح التغيير تهب على العراق
نزار العوصجي: هكذا يُراد للعراقي أن يكون
مصادر ذات صلة
البنك المركزي العراقي – تعديل سعر الصرف في 7 أكتوبر 2026، رويترز – خفض قيمة الدينار، رويترز – مشروع موازنة 2027.
