آراء

د. صابر خضر: حين نخلط بين الأسئلة.. تأملات في البحث عن الحقيقة بين الإيمان والعقل والدليل

د. صابر خضر يتأمل في منهج البحث عن الحقيقة، والتمييز بين أسئلة الإيمان والعلم والتاريخ والفلسفة، ومكانة الدليل ومراجعة الأفكار.

ليست كل الخلافات الفكرية ناتجة عن اختلاف في الأجوبة، بل إن بعضها يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ عندما يظن المتحاورون أنهم يناقشون السؤال نفسه، بينما يكون كل واحد منهم يجيب عن سؤال مختلف.

قد يبدو هذا التفصيل بسيطًا، لكنه، في تقديري، أحد أكثر أسباب سوء الفهم في القضايا الكبرى التي شغلت الإنسان عبر التاريخ. فعندما يسأل أحدهم: «من أوجد الكون؟»، ثم تأتيه إجابة تشرح كيف تشكّل الكون، فإن السؤال الأول لا يكون قد أُجيب عنه، حتى لو كانت الإجابة الثانية صحيحة من الناحية العلمية. والعكس صحيح أيضًا؛ فالإجابة عن مصدر الوجود لا تفسر بالضرورة الآليات التي تحقق بها.

ومن هنا بدأت تتشكل طريقتي في النظر إلى كثير من القضايا التي تمس التاريخ والدين والعلم والوجود نفسه.

إنني لا أنطلق من موقف الرفض المسبق، كما لا أنطلق من موقف القبول المسبق. فلا أرى أن مهمة العقل هي الدفاع عما نؤمن به، ولا مهاجمة ما لا نؤمن به، وإنما محاولة الوصول إلى التفسير الذي يبدو أكثر اتساقًا مع الأدلة المتاحة، مع الاستعداد الدائم لمراجعته إذا ظهرت معطيات أقوى.

ولهذا أحاول دائمًا أن أفصل بين القناعة الشخصية والبرهان، وبين ما أتمناه وما أستطيع الدفاع عنه بالحجة. فالرغبة لا تصنع حقيقة، كما أن الموروث، مهما بلغت مكانته، لا يمنح أي فكرة حصانة من الفحص.

ومن هذا المنطلق، لا أقيس قيمة الأفكار بعمرها، ولا بعدد المؤمنين بها، ولا بالمكانة التي تحتلها في الوعي الجمعي، وإنما بقدرتها على الصمود أمام النقد، وبمقدار انسجامها مع الوقائع، وباستعدادها للتكيف مع ما يستجد من معرفة. فالفكرة القوية لا تحتاج إلى منع الأسئلة كي تبقى، بل تزداد وضوحًا كلما تعرضت للاختبار.

«الفكرة القوية لا تحتاج إلى منع الأسئلة كي تبقى، بل تزداد وضوحًا كلما تعرضت للاختبار.»

وينطبق ذلك على التاريخ كما ينطبق على سائر مجالات المعرفة. فالروايات التاريخية لا تتساوى في قيمتها الاستدلالية؛ فهي تختلف في زمن تدوينها، وفي مصادرها، وفي مدى إمكان التحقق منها بصورة مستقلة. ولهذا أميل إلى إعطاء وزن أكبر للشواهد التي يمكن اختبارها، سواء كانت وثائق معاصرة، أو نقوشًا، أو آثارًا مادية، أو مصادر مستقلة تتقاطع فيما بينها.

ولا يعني هذا أن كل رواية متأخرة خاطئة، أو أن كل أثر مادي يقدم الحقيقة كاملة. فالتاريخ أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في مصدر واحد. لكن الإنصاف يقتضي، في نظري، إخضاع جميع المصادر للمنهج نفسه؛ فلا نرفع بعضها فوق النقد لأنها توافق ما نريد الوصول إليه، ولا نرفض بعضها الآخر لأنها لا تنسجم مع قناعاتنا.

كما لا أرى أن غياب الدليل يساوي نفي وجود الشيء. فالتاريخ لا يحتفظ بكل ما حدث، وكثير من آثاره اندثر مع الزمن. لكنني أرى أيضًا أن حجم الادعاء يؤثر في مقدار الدليل الذي يحتاج إليه. فكلما كان الحدث المروي أعظم أثرًا في التاريخ، وكلما قيل إنه غيّر مصير شعوب أو حضارات، أصبح من الطبيعي أن نتوقع شواهد تتناسب مع هذا الأثر. وإذا لم نجدها، فإن إعادة تقييم الرواية لا تمثل رفضًا لها، بل تطبيقًا لمنهج يوازن بين قوة الادعاء وقوة الدليل.

غير أن القضية التي تشغلني أكثر من غيرها لا تتعلق بالتاريخ وحده، وإنما بطريقة فهمنا للوجود نفسه.

إن أكثر ما يدفعني إلى التأمل هو التمييز بين مستويين مختلفين من التفسير؛ وأرى أن الخلط بينهما كان سببًا في جانب من الجدل الذي رافق العلاقة بين الدين والعلم والفلسفة.

فالسؤال عن أصل الوجود يختلف عن السؤال عن كيفية تحققه. والقول إن للكون خالقًا يجيب، بالنسبة لمن يؤمن بذلك، عن سؤال المصدر، لكنه لا يجيب بالضرورة عن سؤال الكيفية. وفي المقابل، فإن دراسة الكيفية التي تشكّل بها الكون، أو تطورت بها الحياة، أو نشأت بها الظواهر الطبيعية، لا تنفي في حد ذاتها السؤال عن المصدر.

ومن هنا أميز بين الفاعل والآلية، وبين سؤال «من أو ما؟» وسؤال «كيف؟».

فالقول بوجود فاعل يجيب عن سؤال الإسناد أو المصدر، بينما تبحث الآلية في الطريق الذي تحقق به الفعل. والخلط بين هذين المستويين يجعل كثيرًا من الحوارات تدور في حلقات مفرغة، لأن كل طرف يجيب عن سؤال غير الذي يطرحه الطرف الآخر.

«السؤال عن أصل الوجود يختلف عن السؤال عن كيفية تحققه.»

ولهذا لا أجد أن البحث في الآليات يمثل اعتراضًا على أصل الفعل، بل أراه امتدادًا طبيعيًا للرغبة الإنسانية في الفهم. فالإنسان لا يكتفي بأن يعرف أن شيئًا قد حدث، بل يسعى إلى معرفة كيف حدث، وما المراحل التي قادت إليه، وما القوانين التي حكمت ظهوره.

ولعل هذا ما نراه في جميع ميادين المعرفة. فالطبيب لا يكتفي بمعرفة أن المريض قد تعافى، بل يبحث في العمليات البيولوجية التي أدت إلى ذلك. والمهندس لا يكتفي بأن الجسر قائم، بل يدرس القوى التي تحفظ توازنه. وعالم الجيولوجيا لا يكتفي بوجود الجبل، بل يحاول فهم العمليات التي شكلته عبر الزمن. وفي كل هذه الأمثلة لا يُعد السؤال عن الكيفية تشكيكًا في النتيجة، بل محاولة لفهمها على نحو أعمق.

والطبيعة نفسها تقدم الصورة ذاتها. فالبذرة لا تصبح شجرة دفعة واحدة، بل تمر بمراحل متتابعة. والإنسان لا يولد عالمًا، وإنما يبني معرفته بالتجربة والتعلم. والحضارات لا تظهر فجأة، بل تتشكل عبر قرون من التفاعل بين الإنسان والبيئة والأفكار. وكلما ازداد فهمنا لهذه العمليات، ازددنا فهمًا للعالم، لا ابتعادًا عنه.

ولهذا لا أرى تعارضًا ضروريًا بين الإيمان بوجود خالق، وبين الاعتقاد بأن الكون يعمل وفق قوانين يمكن للعقل اكتشافها. إن قابلية الطبيعة للدراسة والتنبؤ تكشف عن قدر من الانتظام يسمح للعقل البشري بفهمها تدريجيًا.

وفي تقديري، فإن البحث عن الكيفية لا ينتقص من الإيمان، كما أن الإيمان لا ينبغي أن يكون بديلًا عن البحث في الكيفية. فلكل سؤال مجاله، ولكل مجال أدواته، ولا يغني أحدهما عن الآخر.

ومن هنا أعتقد أن بعض الصراعات التي تبدو قائمة بين الدين والعلم قد تكون، في جانب منها، نتيجة لخلط مستويات التفسير. فعندما يُطلب من العلم أن يجيب عن الغاية النهائية للوجود، أو يُطلب من الإيمان أن يقدم وصفًا تفصيليًا لكل آليات الطبيعة، فإننا ننقل السؤال من مجاله إلى مجال آخر، ثم نستغرب عجز الإجابة عن إقناع الجميع.

ولهذا أرى أن احترام طبيعة كل سؤال لا يقل أهمية عن البحث عن جوابه. فحين نعرف ما الذي نسأل عنه حقًا، يصبح الحوار أكثر وضوحًا، وأكثر قدرة على إنتاج المعرفة، بدل أن يتحول إلى جدل لا ينتهي.

ومن هنا أميز أيضًا بين الإيمان والبرهان، وبين الاحتمال واليقين. فليس كل ما يؤمن به الإنسان يمكن إخضاعه للاختبار التاريخي أو العلمي، كما أن العلم لا يدّعي الإجابة عن جميع الأسئلة التي تشغل العقل البشري. لكنه يقدم، في كل مرحلة، أفضل تفسير تسمح به الأدلة المتاحة، ويظل مستعدًا لتعديله إذا ظهرت معطيات أقوى. وهذه ليست نقطة ضعف فيه، بل إحدى أهم نقاط قوته.

ولهذا لا أرى في مراجعة الأفكار تراجعًا عن العقل، بل احترامًا له. فالتراجع عن استنتاج لم تعد تؤيده الأدلة ليس هزيمة للفكر، وإنما تعبير عن حيويته. وما يضعف الإنسان ليس أن يغيّر رأيه عندما تتغير المعطيات، بل أن يصر على رأي لم يعد يستطيع الدفاع عنه إلا بتجاهل ما استجد من معرفة.

وينطبق الأمر نفسه على التاريخ. فمعرفتنا بالماضي ليست سجلًا مكتملًا، بل بناء يتطور كلما ظهرت وثائق جديدة، أو اكتُشفت آثار لم تكن معروفة، أو تطورت وسائل البحث والتحليل. وما نراه اليوم التفسير الأقرب إلى الواقع قد يحتاج غدًا إلى مراجعة، لا لأن الحقيقة تغيرت، بل لأن قدرتنا على الاقتراب منها أصبحت أفضل.

ولهذا لا أتعامل مع المعرفة بوصفها مجموعة من اليقينيات النهائية، بل بوصفها رحلة مستمرة نحو فهم أكثر اتساقًا. وقد لا يبلغ الإنسان اليقين في كل قضية، لكن بإمكانه أن يقترب من الحقيقة كلما كان أكثر التزامًا بالأدلة، وأكثر استعدادًا لمراجعة استنتاجاته.

إن أكثر ما أخشاه ليس أن نختلف في النتائج، فهذا أمر طبيعي في كل بحث إنساني، وإنما أن نتوقف عن طرح الأسئلة، أو أن نمنح بعض الأفكار حصانة تجعلها فوق الفحص، أو أن نعيد تشكيل الوقائع لتوافق قناعاتنا، بدل أن نراجع قناعاتنا في ضوء الوقائع.

فالأفكار لا تكتسب قيمتها لأنها موروثة أو جديدة، ولا لأنها تنتمي إلى هذا الاتجاه أو ذاك، وإنما لأنها تستطيع أن تبقى متماسكة كلما ازداد النقد، واتسعت المعرفة، وتحسنت أدوات البحث.

وفي النهاية، لا أكتب هذه السطور دفاعًا عن الإيمان ولا اعتراضًا عليه، ولا انتصارًا لمدرسة فكرية على أخرى. ما أدافع عنه هو منهج في التفكير يقوم على احترام السؤال قبل استعجال الجواب، وعلى منح الدليل مكانته، وعلى التمييز بين درجات اليقين، وعلى الاعتراف بأن المعرفة البشرية تظل، مهما اتسعت، معرفة قابلة للمراجعة.

وأعتقد أن هذه الرؤية لا تنتقص من الإيمان، ولا من العقل، ولا من العلم، بل تمنح كل واحد منها مجاله الطبيعي. فالإيمان يمنح الإنسان أفقًا للمعنى، والعلم يساعده على فهم العالم الذي يعيش فيه، والتاريخ يربطه بتجربة من سبقه، والفلسفة تدفعه إلى التأمل في الأسئلة التي لا تكفي الوقائع وحدها للإجابة عنها. وعندما يدرك الإنسان أن هذه المجالات لا تؤدي الوظيفة نفسها، يصبح الحوار بينها أكثر هدوءًا وأقرب إلى الإنصاف.

«ربما لا تكون الحكمة في أن نجد لكل سؤال جوابًا، بل في أن نطرح السؤال الصحيح أولًا.»

ولعل أكثر ما يحتاجه الإنسان اليوم ليس مزيدًا من اليقين الذي يغلق باب التفكير، ولا مزيدًا من الشك الذي يهدم كل شيء، وإنما قدر أكبر من الانضباط الفكري؛ أن يفرق بين ما يعرفه، وما يرجحه، وما يجهله، وأن يمتلك الشجاعة للاعتراف بالفارق بينها.

فربما لا تكون الحكمة في أن نجد لكل سؤال جوابًا، بل في أن نطرح السؤال الصحيح أولًا، وأن نتحلى بالصبر الكافي لنتبع الدليل حيث يقودنا، لا حيث نرغب أن يقودنا.

فالحقيقة ليست ما نرثه أو نتمناه، وإنما ما يظل أكثر اتساقًا كلما اتسعت المعرفة، وازدادت جودة الأسئلة، وتقدمت ادوات الفهم.

20261004

زر الذهاب إلى الأعلى