آراء

عبدالله سلمان: مدنية بغداد بين تآكل الذاكرة وتغيير الهوية

يرى عبدالله سلمان أن أزمة بغداد لا تقتصر على الخدمات والعمران، بل تمتد إلى تآكل الذاكرة المدنية والهوية الحضرية للعاصمة وقدرتها التاريخية على صهر التنوع داخل إطار جامع.

بغداد ليست مجرد عاصمة سياسية، ولا رقعة جغرافية تتجمع فيها الوزارات ومؤسسات الدولة وملايين السكان. بغداد قبل ذلك كله مدينة لها ذاكرة وشخصية وتاريخ، والمدينة التي تمتلك ذاكرة تمتلك بالضرورة سماتها وهويتها الخاصة، لا تصنعها الأبنية والجسور والشوارع وحدها، وإنما تصنعها اللغة واللهجة والذوق والسلوك الاجتماعي ونمط العلاقات واحترام المجال العام، وما تراكم عبر الأجيال من قيم وعادات جعلت لبغداد شخصية تختلف بها عن سائر المدن.

فالمدينة لا تصبح مدنية لأنها كبيرة أو مكتظة بالسكان، وإنما لأنها تنتج قيماً حضرية تنظّم علاقة الإنسان بالمكان وبالآخرين: القانون بدلاً من العصابات، والمؤسسة بدلاً من العصبية، والمجال العام بدلاً من الاستحواذ الخاص، وقبول الاختلاف بدلاً من فرض الهوية الواحدة والغريبة، واحترام ذاكرة المكان بدلاً من التعامل معه باعتباره أرضاً بلا تاريخ.

الخطر الذي تتعرض له بغداد اليوم لا ينحصر في الخدمات والعمران، بل يمتد إلى تراجع مدنية المدينة نفسها وقدرتها على إعادة إنتاج شخصيتها الحضارية.

فالخطر الذي تتعرض له العاصمة اليوم لا ينحصر في تراجع الخدمات أو الفوضى العمرانية أو الاختناقات المرورية، بل يمتد إلى شيء أعمق: تراجع مدنية المدينة نفسها وقدرتها على إعادة إنتاج شخصيتها الحضارية. الأصل أن تكون المدنية قوة تدفع المجتمع نحو مزيد من الحضرية والتنظيم والذوق العام، وأن تجعل المدينة أرقى من مجموع البيئات التي تفد إليها. لكن ما يحدث في بغداد اليوم هو انقلاب في هذه المعادلة؛ فبدلاً من أن تقود مدنيتها عملية التحضر، أصبحت هي نفسها تُساق إلى أنماط أكثر تخلفاً في السلوك والفضاء العام، بما يهدد هويتها البغدادية ويضعف قدرتها على إنتاج نموذج حضري جامع.

والمفارقة الأخطر في حياة المدن تبدأ حين لا تعود المدينة قادرة على تمدين من يأتي إليها، بل يبدأ القادمون إليها، ولا سيما أصحاب السلطة والنفوذ، بإعادة تشكيلها وفق ثقافاتهم المحلية وأنماطهم الاجتماعية وأذواقهم الخاصة.

ليس كل من يعيش في بغداد بغدادياً بالمعنى المدني، كما أن الولادة في بغداد وحدها لا تكفي لصناعة الانتماء إلى مدنيتها. ابن بغداد الحقيقي هو من يعرف تاريخها، ويحترم ذاكرتها، ويدرك قيمة شوارعها القديمة وأحيائها ولهجتها وثقافتها، ويتعامل معها باعتبارها أمانة حضارية لا مجرد مكان للسكن أو السلطة. وعلى من يتولى إدارة بغداد أن يكون، قبل كل شيء، منتمياً لها وابناً لمدنيتها.

بغداد كانت دائماً بودقةً تستوعب القادمين إليها، تدمجهم بثقافتها وتجعلهم جزءاً من نسيجها، لا مجرد مقيمين فوق أرضها. وتبدأ المشكلة حين يتولى شؤونها من يراها مركزاً للسلطة لا مدينةً ذات ذاكرة، فيتعامل مع المعلم التاريخي كعقار، ومع الفضاء القديم كمساحة قابلة لإعادة التشكيل. فخراب المدن لا تصنعه الحروب وحدها؛ يبدأ أيضاً عندما يصبح قرارها بيد من لا يعرف قيمة ما يحكمه.

اللهجة البغدادية ليست مجرد نطق، بل ذاكرة اجتماعية تختزن روح المدينة ومفرداتها وطرائق تواصل أهلها. وتغير اللهجات أمر طبيعي، لكن المقلق أن يتراجع حضور لهجة بغداد داخل فضائها نفسه، بالتوازي مع اتساع أنماط لغوية ومظاهر وافدة أصبحت أكثر حضوراً في الشارع والمؤسسة والمشهد العام.

المشكلة في تراجع قدرة بغداد على صهر التنوع داخل مدنية جامعة؛ فحين تُفرض أنماط ريفية وعشائرية على المجال العام يصبح ترييف المدينة تحولاً في بنيتها الثقافية والاجتماعية.

إن المشكلة في تراجع قدرة بغداد على صهر التنوع داخل مدنية جامعة. فقد كانت تاريخياً تستوعب الوافد وتمنحه شيئاً من لغتها وذوقها وسلوكها الحضري، أما اليوم فتتعرض لفرض أنماط ريفية وعشائرية تعيد تشكيل المجال العام. وهنا يصبح ترييف المدينة تحولاً في بنيتها الثقافية والاجتماعية، لا مجرد تغير في المظهر أو اللهجة.

فالمعضلة هي حينما تنتقل البنى العشائرية والمحلية إلى مؤسسات العاصمة ومجالها العام، فتتقدم العصبية والعلاقات الشخصية على القانون والمواطنة، ويزداد الخطر حين يقترن ذلك بالنفوذ السياسي القادر على إعادة تشكيل بغداد بعيداً عن مدنيتها.

ويمتد الأمر إلى الجانب الديني والاجتماعي؛ فحرية الشعائر مصونة، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى استحواذ رمزي على المجال العام أو إعادة صياغة هوية العاصمة. فحق الجماعة في التعبير عن ذاتها لا يساوي حقها في تغيير هوية المدينة.

إذا عجزت السلطة عن صون المجال العام، تحولت بغداد إلى ميدان لتنازع الهويات الفرعية على حساب مدنيتها الجامعة. وقدرتها التاريخية كانت في احتواء الاختلاف من دون فقدان شخصيتها؛ لذلك فالدفاع عن بغداد لا يعني إقصاء أحد، بل منع أي جماعة من إعادة تشكيل العاصمة حسب أهوائها الخاصة.

حماية مدنية بغداد يجب أن تكون جزءاً من سياسة الدولة الثقافية والحضرية، لا فعلاً موسمياً. وهي لا تقتصر على صيانة الأبنية والأسواق والأحياء القديمة، بل تشمل حفظ اللهجة البغدادية، والفنون، والمقاهي، والفضاءات التي صنعت ذاكرة المدينة، وإعادة حضور تاريخها في التعليم والإعلام.

كما ينبغي أن يكون الوعي بتاريخ بغداد وخصوصيتها معياراً في اختيار من يدير مؤسساتها؛ فإدارة العاصمة ليست إدارة موارد فقط، بل مسؤولية عن إرث حضاري. وهذه القاعدة تنطبق على سائر مراكز المحافظات، فلكل مدينة عراقية شخصيتها وذاكرتها ومدنيتها الخاصة. وحماية هذا التنوع الحضري هي في جوهرها حماية للتنوع العراقي نفسه.

بغداد أقدم من الحكومات والأحزاب والمسؤولين؛ ومن يتولى شأناً من شؤونها يدير فضاءً حضارياً يسبقه ويتجاوز منصبه، وعليه حماية تاريخها واحترام مدنيتها.

بغداد ليست مركز الدولة فقط، بل إحدى صورها الحضارية. فإذا تراجعت مدنيتها أمام تنازع الهويات الجزئية، أصبحت أزمة العاصمة انعكاساً لأزمة أعمق في صورة الدولة. فالمدينة الكبرى لا تلغي التنوع، بل تصوغه داخل إطار حضري جامع، وحين تعجز عن ذلك يتحول التنوع من مصدر ثراء إلى عامل في تآكل هويتها.

إن بغداد أقدم من الحكومات التي تعاقبت عليها، وأبقى من الأحزاب التي تنازعت السلطة فيها، وأوسع من المسؤولين الذين مرّوا بمؤسساتها ثم غادروها. فهي ليست نتاج لحظة سياسية عابرة، بل حصيلة تاريخ طويل تراكمت فيه الذاكرة والعمران والثقافة واللغة وأنماط العيش، حتى تشكّلت لها شخصية لا يجوز اختزالها في إدارة أو ولاية أو دورة انتخابية.

فعلى من يتولى شأناً من شؤون بغداد أن يدرك أنه لا يدير مساحة بلا ذاكرة، بل فضاءً حضارياً يسبقه ويتجاوز منصبه. لذلك لا تمنحه السلطة حق إعادة تشكيل المدينة وفق مزاجه أو خلفيته، بل تفرض عليه حماية تاريخها واحترام مدنيتها.

والدفاع عن مدنية بغداد لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دفاعاً عن “البغداديين” في مواجهة أبناء المحافظات، لأن هذا يختزل القضية ويشوّه معناها. المسألة ليست صراعاً بين سكان، بل دفاع عن حق المدينة نفسها في الاستمرار بوصفها كياناً تاريخياً وثقافياً له شخصيته الخاصة. بغداد كانت دائماً مدينة استقبال واندماج، وفتحت أبوابها لأبناء العراق من مختلف مناطقه، لكنها فعلت ذلك من موقع المدينة الواثقة بثقافتها، لا من موقع المدينة التي تتخلى عن ذاتها كي تستوعب الآخرين.

بغداد ملك جميع العراقيين، لكنها ليست مدينة بلا هوية. فهي ذاكرة وطنية ومدنية وكنز حضاري يعكس هوية العراق، أوسع من الحزب والعشيرة والطائفة، ولا يجوز أن يعيد النفوذ السياسي تشكيلها على صورة بيئة عابرة. فالمعالم تُرمَّم والشوارع تُعاد، أما إذا تآكلت ذاكرة بغداد ومدنيتها، فقد تبقى عاصمة على الخريطة، لكنها تفقد روحها الخلاقة وبريقها.


مقالات سابقة للكاتب:

الانتقائية الاستراتيجية الأمريكية.. أزمة غرينلاند وتحدّي سيادة الحلفاء بالقوة
الحوار الوطني خطوة لتحرير العراق واستعادة سيادته
الزمن الجميل.. بين السردية التاريخية والتعايش المجتمعي

زر الذهاب إلى الأعلى