د. صابر خضر: قد يعمل دماغك طوال حياتك… دون أن تستخدمه كما ينبغي

نقضي سنوات طويلة في التعلم. نذهب إلى المدارس والجامعات، نقرأ الكتب، نحضر المحاضرات، ونقضي ساعات طويلة أمام شاشات الهواتف والحواسيب ننتقل من معلومة إلى أخرى. ومع ذلك، يبقى سؤال بسيط يستحق أن نتوقف عنده:
هل كثرة المعلومات تعني أننا نستخدم أدمغتنا استخدامًا صحيحًا؟
قد تبدو الإجابة بديهية، لكن علم الأعصاب يقدم لنا صورة مختلفة. فالدماغ لا يتوقف عن العمل منذ لحظة ولادتنا وحتى آخر لحظة من حياتنا. إنه ينظم التنفس، ويضبط نبض القلب، ويعالج ملايين الإشارات القادمة من الحواس، ويخزن الذكريات، بل ويستمر في نشاطه حتى أثناء النوم. لذلك فالمشكلة ليست أن الدماغ لا يعمل، بل أن الإنسان قد يقضي عمره كله وهو يعتمد على جزء محدود من قدراته العقلية.
تخيل أنك تقود سيارتك إلى العمل كل صباح. بعد سنوات من القيادة، تصل إلى وجهتك دون أن تتذكر تفاصيل الطريق. لقد تجاوزت الإشارات، وتوقفت عند التقاطعات، وتجنبت السيارات الأخرى، لكنك فعلت كل ذلك بصورة شبه تلقائية. دماغك كان يعمل بكفاءة، لكنه لم يكن يفكر في كل خطوة، لأنه حوّل هذه المهمة إلى عادة.
وهنا تكمن عبقرية الدماغ.
فالدماغ صُمم ليجعل الأعمال المتكررة تلقائية حتى يوفر الطاقة لما هو أهم. ولو اضطر الإنسان إلى التفكير في كل حركة يقوم بها، لما استطاع إنجاز أبسط أعماله اليومية. ولذلك فإن الروتين ليس عيبًا، بل ضرورة بيولوجية تساعدنا على الحياة.
لكن المشكلة تبدأ عندما لا يقتصر الروتين على أفعالنا، بل يمتد إلى طريقة تفكيرنا.
فنقرأ ما يؤيد أفكارنا، ونتابع من يشبهوننا، ونكرر الآراء نفسها، ونرفض الأفكار الجديدة قبل أن نفهمها، ونعيش سنوات طويلة دون أن نتعلم مهارة مختلفة أو نراجع قناعة قديمة. في هذه اللحظة لا يكون الدماغ قد توقف عن العمل، لكنه توقف عن أداء أهم وظيفة منحها له التطور: التفكير الواعي والنقدي.
خلال العقود الأخيرة، أثبت علم الأعصاب أن الدماغ ليس عضوًا جامدًا كما كان يُعتقد سابقًا، بل يمتلك قدرة مذهلة على إعادة تنظيم نفسه باستمرار، وهي ما يعرف بالمرونة العصبية (Neuroplasticity). فعندما نتعلم لغة جديدة، أو نعزف آلة موسيقية، أو نحل مشكلة معقدة، أو نكتسب طريقة جديدة في التفكير، تتغير قوة الاتصالات بين الخلايا العصبية، وتتكون مسارات جديدة تساعدنا على التعلم والتكيف.
لكن هذه القدرة لا تنشط لمجرد مرور المعلومات أمام أعيننا.
فالفرق كبير بين أن تستقبل المعلومة وأن تعالجها.
منذ أكثر من خمسين عامًا، أوضح العالمان فيرغس كريك وروبرت لوكهارت أن المعلومات التي نعالجها بعمق، من خلال الفهم والتحليل وربطها بخبراتنا، تبقى في الذاكرة بصورة أفضل بكثير من المعلومات التي نكتفي بقراءتها أو حفظها بسرعة. وهذا يفسر لماذا ننسى كثيرًا مما نقرأ، بينما تبقى في أذهاننا فكرة واحدة غيرت طريقة فهمنا للحياة.
لهذا السبب، ليست قيمة الكتاب في عدد صفحاته، ولا قيمة المحاضرة في مدتها، ولا قيمة المعلومات في كثرتها، بل في قدرتها على أن تجعلنا نفكر بطريقة مختلفة.
وفي عالم اليوم، لم تعد المشكلة نقص المعلومات، بل وفرتها. بضغطة زر نستطيع الوصول إلى آلاف المقالات ومئات المحاضرات وملايين الصفحات. لكن الوصول إلى المعرفة أصبح أسهل من أي وقت مضى، في حين أن التفكير أصبح أكثر ندرة.
إن أخطر ما قد يواجه الإنسان ليس الجهل، بل وهم المعرفة؛ أن يظن أنه فهم موضوعًا لأنه شاهد مقطعًا قصيرًا أو قرأ منشورًا سريعًا. فالمعلومات وحدها لا تغيّر الإنسان، وإنما الطريقة التي يتعامل بها معها.
ولهذا يحتاج الدماغ أحيانًا إلى الهدوء أكثر مما يحتاج إلى المزيد من المعلومات. ففي لحظات الصمت أو المشي أو التأمل الهادئ، لا يتوقف الدماغ عن العمل، بل يعيد ترتيب الأفكار، ويربط بين الخبرات، ويبحث عن حلول قد لا تظهر وسط الضجيج والانشغال الدائم. وقد أظهرت أبحاث حديثة أن شبكة من مناطق الدماغ، تُعرف باسم شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network)، تنشط أثناء الراحة والتأمل الذهني، ويُعتقد أن لها دورًا مهمًا في التفكير الذاتي، وربط الذكريات، وتوليد الأفكار الجديدة.
ومن اللافت أن الفلاسفة منذ آلاف السنين ميّزوا بين امتلاك المعلومات وامتلاك الحكمة. قد تختلف تفسيراتهم عن تفسير العلم الحديث، لكن الفكرة الجوهرية تكاد تكون واحدة: المعرفة الحقيقية هي التي تغيّر الإنسان، لا التي تملأ ذاكرته فقط.
وهذا يقودنا إلى سؤال شخصي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه.
متى كانت آخر مرة تعلمت فيها شيئًا غيّر طريقة تفكيرك؟
متى كانت آخر مرة اعترفت فيها بأن رأيًا كنت تؤمن به لم يكن صحيحًا؟
ومتى كانت آخر مرة خرجت من منطقة الراحة الفكرية، لا العملية فقط؟
ربما تكون هذه الأسئلة أهم من عدد الكتب التي قرأناها، أو عدد الشهادات التي حصلنا عليها، أو عدد الساعات التي أمضيناها في متابعة الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي.
فالدماغ يشبه العضلات إلى حد بعيد؛ لا يصبح أقوى بمجرد استخدامه، بل يصبح أقوى عندما يُستخدم بالطريقة الصحيحة. والتحدي الحقيقي ليس أن نجعله يعمل أكثر، فهو يعمل بلا توقف، وإنما أن نجعله يفكر أكثر.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومات متاحة للجميع، لم يعد التفوق فيمن يعرف أكثر، بل فيمن يفهم أكثر، ويسأل أكثر، ويحلل أكثر، ويملك الشجاعة لتغيير رأيه عندما تقوده الأدلة إلى ذلك.
لذلك، ربما يجدر بنا أن نستبدل سؤالًا اعتدنا طرحه على أنفسنا:
“ماذا تعلمت اليوم؟”
بسؤال أكثر أهمية:
“كيف استخدمت دماغي اليوم؟”
فقد يعمل دماغك طوال حياتك…
لكن استخدامه كما ينبغي، هو القرار الذي يصنع الفرق بين من يعيش مكررًا ما يعرف، ومن يواصل النمو ما دام حيًا.
المراجع العلمية
1. Kandel ER, Koester JD, Mack SH, Siegelbaum SA. Principles of Neural Science. 6th Edition. McGraw-Hill; 2021.
2. Craik FIM, Lockhart RS. Levels of Processing: A Framework for Memory Research. Journal of Verbal Learning and Verbal Behavior. 1972;11:671–684.
3. Raichle ME, et al. A Default Mode of Brain Function. Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS). 2001;98(2):676–682.
4. Buckner RL, Andrews-Hanna JR, Schacter DL. The Brain’s Default Network. Annals of the New York Academy of Sciences. 2008;1124:1–38.
5. Goyal M, et al. Meditation Programs for Psychological Stress and Well-being: A Systematic Review and Meta-analysis. JAMA Internal Medicine. 2014;174(3):357–368.
ملاحظة علمية: هذا المقال موجه للقارئ العام، وقد استند إلى مبادئ راسخة في علم الأعصاب وعلم النفس المعرفي. بعض الموضوعات، مثل التأمل وعلاقته بوظائف الدماغ، لا تزال محل بحث مستمر، لذلك تم عرضها وفق ما تدعمه أفضل المراجعات
