أوروبا

أوروبا أمام شتاء الطاقة.. هل تعيد حرب الخليج أزمة الأسعار والتضخم إلى القارة؟

تدخل أوروبا موسم التدفئة وهي تواجه مفارقة اقتصادية: حتى لو توقفت المواجهة الأميركية الإيرانية غداً، فقد تستمر آثارها على أسعار الغاز والوقود لأشهر طويلة بسبب انخفاض المخزونات وتكاليف إعادة ت

يورو تايمز / المحرر السياسي

تقرير تحليلي خاص | 25 أكتوبر 2026

تدخل أوروبا موسم التدفئة وهي تواجه مفارقة اقتصادية: حتى لو توقفت المواجهة الأميركية الإيرانية غداً، فقد تستمر آثارها على أسعار الغاز والوقود لأشهر طويلة بسبب انخفاض المخزونات وتكاليف إعادة تعبئتها. فالحرب التي عطلت شحنات الغاز المسال عبر هرمز لا تؤثر فقط على إمدادات الخليج، وإنما تدفع المستوردين الأوروبيين والآسيويين إلى المنافسة على شحنات متحركة وأسعار أعلى.

في 12 أكتوبر، حذرت رويترز من استمرار الأسعار الأوروبية المرتفعة لعام آخر على الأقل، مستندة إلى تقديرات السوق وتراجع مستويات التخزين. وقبلها بثلاثة أيام قال معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي IEEFA إن مخزونات الاتحاد الأوروبي كانت عند مستوى قياسي الانخفاض لهذا الوقت من العام منذ بدء السجلات عام 2011. ولا يعني ذلك نفاد الغاز خلال الشتاء، لكنه يزيد حساسية القارة لأي موجة برد أو اضطراب إضافي.

الأرقام تكشف حجم الفجوة

قدّر IEEFA مخزون الغاز الأوروبي بنحو 72.4 بالمئة في الثالث من أكتوبر، ورأى أن خفض استهلاك الغاز خلال شتاء 2026–2027 بنسبة سبعة بالمئة مقارنة بالشتاء السابق قد يصبح ضرورياً لتعويض العجز وتجنب استيراد كميات إضافية مرتفعة التكلفة. وقدّر أن تعويض فجوة التخزين بالواردات بدلاً من خفض الطلب قد يكلف نحو ثلاثة مليارات يورو، بزيادة 12 بالمئة على تكلفة الكمية نفسها قبل عام.

وتوقعت مصادر السوق التي تحدثت إلى رويترز بلوغ مستويات التخزين ما بين 75 و78 بالمئة بحلول الأول من نوفمبر، مقابل مستويات أعلى في أعوام سابقة. وهي توقعات وليست قراءة مؤكدة للمستوى النهائي؛ ولهذا يجب تحديثها مع كل بيانات رسمية جديدة.

هرمز ومنافسة أوروبا مع آسيا

بحسب تقرير وكالة الطاقة الدولية لسوق الغاز في الربع الثالث من 2026، كانت تدفقات الغاز المسال عبر هرمز تمثل قرابة 20 بالمئة من الإمدادات العالمية قبل الاضطراب. وقد أدى التعطيل إلى ارتفاع الأسعار وتغيير اتجاهات تجارة الشحنات المرنة نحو الأسواق المستعدة لدفع المزيد.

وليست أوروبا أكبر مستهلك مباشر للغاز القطري والإماراتي بالضرورة، لكنها تتأثر بصورة غير مباشرة من خلال سوق عالمية مترابطة. فعندما تقل الإمدادات المتاحة لآسيا ترتفع المنافسة على الشحنات الأميركية والإفريقية وغيرها، وتزداد الكلفة على المستورد الأوروبي. ولهذا فإن انخفاض الاعتماد المباشر على هرمز لا يوفر حصانة كاملة من الصدمة.

لماذا لا يساوي شتاء 2026 أزمة 2022؟

حذرت وكالة الاتحاد الأوروبي لتعاون منظمي الطاقة ACER، في تقرير محدّث بتاريخ 23 أكتوبر، من ارتفاع تكلفة ملء المخازن في سوق شديدة المنافسة، لكنها أشارت إلى أن أزمة 2026 لم تبلغ حتى الآن مستوى أزمة 2022–2023. وتعود الفروق إلى تغير مزيج الموردين والبنية التحتية والاستجابة الحكومية والظروف الاقتصادية.

من الضروري إذن تجنب تكرار عنوان أزمة 2022 بصورة آلية. السيناريوهات تتوقف على درجات الحرارة وتوفر الرياح والطاقة المائية والأسعار العالمية للغاز ومدى عودة حركة الملاحة؛ وقد تخفف الظروف الجوية المعتدلة الضغط أو تضاعفه موجات برد متزامنة.

للمزيد من سياق المواجهة، تناولت يورو تايمز في تحليل سابق خيارات واشنطن العسكرية والدبلوماسية.

ألمانيا وفرنسا والسويد: ثلاث طرق لانتقال الصدمة

في ألمانيا يؤثر الغاز بصورة مباشرة في الصناعة الكيميائية والقطاعات كثيفة الطاقة، ما يجعل ارتفاع أسعار الوقود مدخلاً إلى ضغط على الإنتاج والتنافسية. وفي فرنسا تبرز أهمية العلاقة بين إنتاج الكهرباء النووية وأسعار الطاقة الأوروبية المترابطة، إلى جانب استهلاك الغاز في التدفئة والصناعة. أما السويد، فرغم مساهمة الطاقة المائية والنووية والرياح في توليد الكهرباء، فلا تعيش خارج السوق الأوروبية؛ إذ يمكن لارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الواردات والشحن أن ينتقل إلى الأسعار المحلية وإلى تكاليف شركات التصدير.

لكن حجم الأثر مختلف بين دولة وأخرى، ولا يصح القول إن الأسر السويدية تعتمد على الغاز المستورد بالدرجة نفسها التي تعتمد عليها بعض دول وسط أوروبا. ويلزم تحليل الأسعار المحلية وضرائب الطاقة والعقود ومستويات التخزين الوطنية قبل تقديم تقديرات رقمية للأسر.

من أسعار الوقود إلى التضخم

يبدأ انتقال الصدمة من سعر الغاز والديزل، لكنه قد يمتد إلى النقل وإنتاج الأسمدة والصناعات الغذائية والسلع المصنعة. ويشير تقرير وكالة الطاقة الدولية لسوق النفط في أكتوبر إلى ضيق المعروض العالمي من الغازويل والديزل بعد اضطراب صادرات الشرق الأوسط وروسيا، مع انخفاض المخزونات وارتفاع هوامش التكرير. ويعني ذلك أن تراجع سعر النفط الخام وحده لا يضمن انخفاض تكلفة الديزل أو وقود التدفئة بسرعة.

أما أثر الصدمة على التضخم العام فيعتمد على مدة ارتفاع الأسعار وعلى قدرة الشركات على تمرير التكاليف إلى المستهلكين، وعلى رد السياسة النقدية والأجور. وهي علاقات لا تسمح بالجزم بمعدل تضخم مستقبلي دون نماذج معلنة وبيانات حديثة.

من يدفع ثمن إعادة الملء؟

استنزاف المخزون خلال الشتاء يخلق التزاماً للموسم التالي؛ فالمشغلون سيحتاجون إلى شراء كميات إضافية في الربيع والصيف لإعادة تعبئة المستودعات. وقد يحدث ذلك في سوق لا تزال أسعارها مرتفعة، وهو ما يرفع التكاليف المالية حتى بعد انتهاء الأزمة العسكرية. وأشار تقرير رويترز إلى أن ضغوط الأسعار قد تمتد إلى فواتير الأسر في 2027 مع تجديد بعض العقود.

ولا يعني ذلك أن أوروبا بلا بدائل؛ فزيادة كفاءة المباني وترشيد الاستهلاك والربط الكهربائي وتنويع الموردين والإنتاج المتجدد كلها تخفف المخاطر. لكن أياً منها لا يبدد فجوة التخزين الكبيرة خلال أسابيع معدودة.

ماذا تعني القيود الجديدة على الغاز الروسي؟

يدخل ملف الطاقة مرحلة إضافية من عدم اليقين مع خطط الاتحاد الأوروبي للحظر الكامل لواردات الغاز الطبيعي المسال الروسي بدءاً من يناير 2027. وفي الظروف العادية، يمكن استيعاب التحول تدريجياً عبر عقود وموردين بديلين، أما في ظل اضطراب إمدادات الخليج فقد يزيد الضغط على السوق الفورية. وهنا تواجه أوروبا مهمة الموازنة بين أهدافها الجيوسياسية والأمن الاقتصادي للأسواق المحلية.

ثلاثة سيناريوهات للشتاء

في السيناريو الأول يعود جزء معتبر من الإمدادات وتساعد درجات الحرارة المعتدلة وتوليد الكهرباء المتجددة على تجنب استنزاف كبير، فتستقر الأسعار تدريجياً رغم بقائها مرتفعة مقارنة ببعض السنوات السابقة. وفي الثاني تستمر اضطرابات هرمز مع شتاء متوسط، فترتفع تكاليف الشراء ويشتد التنافس الأوروبي الآسيوي. أما الثالث فيجمع موجة برد قوية مع نقص إضافي في المعروض، ما قد يسبب قفزات سعرية ويزيد الضغوط على الصناعة والأسر. لا تقدم المعطيات الحالية احتمالات رقمية موثوقة لكل سيناريو.

ولهذا فإن أكثر المؤشرات جدوى للمتابعة هي بيانات التخزين الأسبوعية، وأسعار عقود TTF، وحركة ناقلات الغاز المسال، وتوافر المخزون الصناعي من الديزل، وأرقام درجات الحرارة والطلب الكهربائي.

أمن الطاقة يبدأ قبل وصول الفاتورة

تكشف أزمة 2026 أن أمن الطاقة الأوروبي لم يعد مجرد تنويع لمصادر النفط والغاز، بل قدرة على إدارة المخزون والطلب والربط الكهربائي والتنافس الدولي على الشحنات. وكلما تأخر تأمين البدائل ورفع كفاءة الاستهلاك، زادت قدرة الأزمات الجيوسياسية البعيدة على التأثير في المصنع الأوروبي والميزانية المنزلية.

التحذير هنا لا يعني توقع انهيار السوق أو انقطاع التدفئة، وإنما أن القارة تدخل موسماً هشاً تتداخل فيه الحرب مع مستويات تخزين منخفضة وأسعار لم تعد بعد إلى التوازن. والحكم على نجاح الاستعداد الأوروبي سيكون في قدرته على عبور الشتاء دون أن تتحول صدمة الإمدادات إلى موجة ممتدة من التضخم وفقدان القدرة التنافسية.

المصادر والمراجع

اقرأ أيضاً

شاهد أيضًا

قصبة مالقة وقلعة جبل فارو: قلعتان فوق #مالقة | #إسبانياللمشاهدة عبر تطبيق يوتيوب انقر هنا

رابط الفيديو على يوتيوب: انقر هنا (https://www.youtube.com/watch?v=PQsY0BUJt_4)

زر الذهاب إلى الأعلى