من حصار النفط إلى طوابير البنزين.. الحرب تبدأ بضرب الحياة اليومية داخل إيران

يورو تايمز – ستوكهولم
لم تعد آثار الحرب بين إيران والولايات المتحدة محصورة في ناقلات النفط ومضيق هرمز والعقوبات والأسواق العالمية. فداخل إيران، بدأت الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب والحصار الأميركي تظهر بصورة أكثر مباشرة في الحياة اليومية، من طوابير محطات الوقود إلى احتجاجات وإضرابات لسائقي الشاحنات وسيارات الأجرة والعاملين في تطبيقات النقل.
وفي تقرير جديد نشرته وول ستريت جورنال الجمعة 11 سبتمبر/أيلول، رصدت الصحيفة أزمة وقود متفاقمة قالت إنها تتغذى من التداعيات الاقتصادية للحرب والحصار البحري الأميركي، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من انهيار العملة وارتفاع الأسعار وتدهور سوق العمل.
طوابير ومحطات تنفد من الوقود
بحسب التقرير، نفد البنزين من بعض المحطات مع اندفاع السائقين للتزود بالوقود قبل تطبيق الأسعار الجديدة، فيما تحدث سائقون عن بقائهم عالقين بعد تعذر الحصول على البنزين.
وجاء ذلك بعد أن رفعت الحكومة هذا الأسبوع سعر البنزين المستخدم بعد تجاوز الحصص المدعومة، بالتوازي مع تقليص بعض المخصصات. وكانت رويترز قد أفادت بأن السعر الجديد يطبق على الاستهلاك الذي يتجاوز 110 لترات شهريًا، ليصل إلى 100 ألف ريال للتر، بينما تبقى الحصتان الأولى والثانية دون تغيير.
الحرب تضرب معادلة الوقود الرخيص
تكمن أهمية الأزمة في أن الوقود المدعوم ظل لعقود جزءًا أساسيًا من الحياة الاقتصادية في إيران. لكن وول ستريت جورنال تقول إن الحكومة تواجه الآن صعوبة متزايدة في المحافظة على منظومة الدعم، بينما تعمل في الوقت نفسه على إصلاح أضرار لحقت بالمصافي خلال الحرب وتواجه صعوبات في استيراد البنزين بسبب الحصار.
وتضيف الصورة التي نشرتها فايننشال تايمز بعدًا آخر للأزمة؛ فحتى مع وصول الإنتاج المحلي من البنزين إلى مستويات قياسية، قال مسؤول في شركة التكرير والتوزيع الحكومية إن البلاد ما زالت تواجه عجزًا يبلغ نحو 10 ملايين لتر يوميًا. كما أشار التقرير إلى أن الحرب أخرجت جزءًا من طاقة التكرير من الخدمة وأن الحصار الأميركي عرقل الواردات ودفع الحكومة إلى الاعتماد على الاحتياطيات.
السائقون يدخلون على خط الاحتجاج
المشكلة لم تعد مقتصرة على المستهلكين. ووفق وول ستريت جورنال، احتج 120 سائق سيارة أجرة في محافظة كرمان على خفض مخصصاتهم من الوقود المدعوم، وقالوا إن الإمدادات لم تعد تكفيهم طوال الشهر.
كما شهدت مدن أخرى تحركات لسائقي تطبيق Snapp للنقل والتوصيل، الذي تصفه الصحيفة بأنه أحد أكبر أرباب العمل في القطاع الخاص الإيراني مع نحو ثلاثة ملايين سائق. وفي أراك تجمع عشرات السائقين أمام مقر المحافظة، بينما شهدت سمنان تحركًا آخر توقف خلاله سائقون عن العمل.
وامتد الضغط إلى قطاع الشاحنات. فقد شهد معبر مهران على الحدود العراقية إضرابًا ليوم واحد في أواخر أغسطس احتجاجًا على نقص الوقود، فيما حذر سائقو الشاحنات في ميناء بندر عباس هذا الأسبوع من احتمال اتخاذ خطوات مماثلة. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن النقل البري والموانئ يمثلان شريانًا أساسيًا لحركة السلع داخل إيران.
من النفط في البحر إلى الأسعار في الشارع
وتتزامن أزمة الوقود مع ضغط أوسع على الاقتصاد الإيراني. ووفق وول ستريت جورنال، بلغ تضخم أسعار الغذاء في أغسطس/آب 128%، بينما تجاوز سعر الدولار في السوق 2.3 مليون ريال، وهو مستوى قياسي جديد.
وفي مؤشر على حجم الضغط الذي تمارسه واشنطن على قطاع النفط، نقلت رويترز عن مسؤول أميركي أن تحميلات النفط الإيراني هبطت خلال الثلاثين يومًا الأخيرة إلى نحو 200 ألف برميل يوميًا، مقارنة بنحو 1.8 مليون برميل يوميًا في يناير وفبراير، بينما تراجعت عمليات التفريغ من 1.4 مليون إلى نحو 900 ألف برميل يوميًا.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المواجهة الاقتصادية أصبحت جزءًا مركزيًا من الحرب. فالولايات المتحدة تحاول خفض قدرة طهران على تصدير النفط والحصول على العملة الصعبة، فيما تجد الحكومة الإيرانية نفسها أمام كلفة متزايدة للحفاظ على الدعم وتمويل الواردات وإدارة اقتصاد يتعرض لضغوط متزامنة.
ذاكرة احتجاجات 2019
ويحمل ملف البنزين حساسية سياسية خاصة داخل إيران. فقد أدى رفع مفاجئ للأسعار في عام 2019 إلى احتجاجات واسعة في أنحاء البلاد، وهو ما جعل الحكومات الإيرانية تتعامل بحذر شديد مع أي تغيير جديد في أسعار الوقود.
وأشارت رويترز إلى أن الحكومة كانت قد ناقشت الزيادة الحالية وأرجأتها سابقًا بسبب المخاوف من إثارة احتجاجات جديدة. لذلك فإن أهمية التطورات الحالية لا تكمن في ارتفاع السعر وحده، بل في تزامنه مع نقص فعلي في الوقود، وإضرابات في قطاع النقل، وتراجع العملة وارتفاع حاد في تكلفة الغذاء.
اختبار جديد لقدرة إيران على الصمود
بعد أشهر من الحرب، تظهر أزمة البنزين كيف يمكن للضغط على صادرات النفط والموانئ والمصافي أن ينتقل تدريجيًا من الجبهة العسكرية والبحرية إلى الاقتصاد المنزلي. والسؤال الذي تفتحه التطورات الآن هو ما إذا كانت طهران قادرة على امتصاص هذه الضغوط والمحافظة على منظومة الدعم، أم أن الوقود سيصبح إحدى أكثر نقاط الضغط الاجتماعي حساسية في المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضًا
- الحرس الثوري يوجّه تقدم الحوثيين نحو باب المندب.. جبهة ثانية تضغط على شرايين الطاقة
- من ينبع إلى مصر ثم حول أفريقيا.. أزمة هرمز تعيد رسم طريق النفط السعودي إلى آسيا
