من ينبع إلى مصر ثم حول أفريقيا.. أزمة هرمز تعيد رسم طريق النفط السعودي إلى آسيا

يورو تايمز – متابعة
بدأت أزمة مضيق هرمز تعيد رسم خريطة تجارة النفط السعودي بصورة كانت تبدو قبل الحرب غير منطقية اقتصاديًا: شحن الخام من الساحل الغربي للمملكة إلى مصر، نقله عبر الأراضي المصرية، ثم إعادة تحميله في البحر المتوسط قبل أن تنطلق الناقلات في رحلة طويلة حول أفريقيا للوصول إلى الأسواق الآسيوية.
وبحسب تحليل متخصص نشرته Lloyd’s List في 10 سبتمبر/أيلول، أصبح الالتفاف من ينبع عبر خط سوميد وقناة السويس ثم إلى آسيا عبر رأس الرجاء الصالح يعمل فعليًا، في أحدث مثال على الطريقة التي تتكيف بها تجارة الطاقة مع اضطراب طرقها التقليدية.
رحلة غير عادية للنفط السعودي
الفكرة الأساسية تبدأ من قدرة السعودية على تجاوز مضيق هرمز عبر خط أنابيب الشرق–الغرب، الذي ينقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. لكن أزمة الملاحة لا تنتهي عند الوصول إلى ينبع، خصوصًا مع ارتفاع المخاطر جنوب البحر الأحمر وباب المندب.
وهنا ظهر المسار الأكثر تعقيدًا: تحمل الناقلات الخام من ينبع شمالًا عبر البحر الأحمر إلى منطقة العين السخنة المصرية، ثم يُنقل النفط عبر خط أنابيب سوميد إلى سيدي كرير على ساحل البحر المتوسط. وبعد إعادة تحميله على ناقلات، تبدأ رحلة جديدة باتجاه آسيا، ولكن بدل العودة عبر البحر الأحمر وباب المندب، تتجه السفن غربًا ثم جنوبًا حول رأس الرجاء الصالح قبل الصعود مجددًا نحو المحيط الهندي والأسواق الآسيوية.
لماذا يسلك النفط طريقًا أطول؟
هذا المسار يبدو للوهلة الأولى عكس الاتجاه الطبيعي للتجارة، لأن الخام المتجه إلى آسيا يبتعد أولًا آلاف الكيلومترات عن وجهته. لكن منطق اقتصاد الحرب مختلف: عندما تصبح الطرق الأقصر معرضة للهجمات أو التعطيل، تتحول المسافة الإضافية إلى ثمن مقابل خفض المخاطر وتأمين استمرار الصادرات.
ويعكس تشغيل هذا المسار حجم التغير الذي أحدثته أزمة هرمز في أسواق الشحن. فالسعودية تمتلك ميزة لا تتوفر بالقدر نفسه لعدد من منتجي الخليج، وهي القدرة على نقل كميات كبيرة من الخام برًا من الشرق إلى ينبع، ما يسمح لها بتجاوز هرمز قبل أن تبدأ رحلة الناقلة البحرية.
سوميد يصبح جزءًا من معادلة هرمز
خط سوميد المصري، الممتد بين العين السخنة على خليج السويس وسيدي كرير على البحر المتوسط، اكتسب بذلك أهمية جديدة تتجاوز دوره التقليدي كمسار لنقل النفط بين البحرين الأحمر والمتوسط. وفي الظروف الحالية يمكن استخدامه كحلقة في سلسلة التفافية تسمح للخام السعودي بالخروج من البحر الأحمر شمالًا ثم العودة إلى آسيا من طريق أفريقيا.
وتشير تقديرات متخصصة في قطاع الشحن إلى أن طاقة سوميد تبلغ نحو 2.5 مليون برميل يوميًا، ما يجعله بنية تحتية مهمة في أي سيناريو تتعرض فيه طرق الخليج والبحر الأحمر لضغوط متزامنة.
لكن باب المندب يبقى نقطة ضعف
المفارقة أن تجاوز هرمز لا يحل المشكلة بالكامل. فالوصول إلى ينبع يحمي الصادرات من الاختناق في الخليج، لكنه لا يلغي مخاطر البحر الأحمر. وإذا أصبح البحر الأحمر نفسه غير آمن تجاريًا على نطاق واسع، فإن الخيارات المتاحة تتقلص بصورة حادة.
ولهذا تزداد أهمية التطورات الأخيرة في اليمن وسيطرة الحوثيين على المخا وتقدمهم قرب باب المندب. فكلما ارتفعت المخاطر في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر، ازدادت الحاجة إلى إبقاء المسار الشمالي بين ينبع ومصر مفتوحًا وآمنًا لكي يظل خيار سوميد قابلًا للاستخدام.
الكلفة: وقت أطول وناقلات أكثر
الطريق حول رأس الرجاء الصالح يعني مسافة بحرية أطول، واستهلاكًا أكبر للوقود، وأيامًا إضافية في الرحلة، كما أنه يحجز الناقلة لفترة أطول لنقل الكمية نفسها من النفط. وفي سوق شحن تعاني أصلًا نقصًا نسبيًا في السعة وارتفاعًا في أسعار التأجير، يمكن أن يرفع ذلك كلفة نقل كل برميل حتى إذا ظلت الإمدادات متاحة.
لكن استمرار استخدام هذا الطريق يحمل رسالة أوسع: تجارة النفط العالمية لم تعد تنتظر ببساطة عودة هرمز إلى وضعه الطبيعي، بل بدأت تبني مسارات تشغيلية بديلة للتعامل مع احتمال استمرار الأزمة فترة طويلة.
خريطة طاقة جديدة تتشكل
ما يحدث لا يعني أن الطرق البديلة تستطيع تعويض هرمز بالكامل. فالمضيق كان قبل الحرب يحمل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ولا توجد شبكة خطوط وأنابيب بديلة قادرة على استيعاب جميع هذه الكميات. لكنه يكشف أن السعودية ومصر وقناة السويس وخط سوميد أصبحت أجزاء أكثر أهمية في منظومة التكيف مع أزمة هرمز.
ومع تصاعد التوتر عند باب المندب أيضًا، لم تعد المسألة تتعلق بمضيق واحد. فأسواق الطاقة باتت تحاول إعادة هندسة طرقها بين الخليج والبحر الأحمر والمتوسط ورأس الرجاء الصالح، في خريطة أكثر طولًا وكلفة وتعقيدًا من تلك التي كانت قائمة قبل الحرب.
