د. بندر عباس اللامي: الجغرافيا ونبوءة عبقري السياسة نوري السعيد حول مصير العراق

لم يكن نوري السعيد الملقب بثعلب السياسة مجرد رجل دولة عابر بل كان قارئاً فذاً للتاريخ ومحركاً لتروس الجغرافيا السياسية. وتتجلى عبقريته الاستشرافية في مقولته التاريخية التي اختصرت فلسفة الأمن القومي للعراق واصفاً بدقة مكامن الخطر الحقيقي على وجود الدولة.
ورغم أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قالها قبل اكثر من ١٤٠٠عاما ياليت بيني وبين فارس جبل من نار ..؟!
((قال الباشا نوري السعيد.. الإنجليز بعيدين عنا 10 آلاف كيلو متر وامبراطوريتهم ايلة للسقوط بيان واحد ممكن يطلعون.. بس احنا محاطين بتيس ( تركيا ) وذيب ( ايران ) هذولة الواحد منهم اذا طب للعراق ما يطلع بعد 400 سنة التيس اذا توكلة يجوز منك، بس الذئب حتى لو توكلة يعضك…
ثعلب السياسة نوري السعيد رحمه الله..))
جوهر ما قصده السعيد يتلخص في نظرية حتمية الجغرافيا مقابل عابري التاريخ فالإنجليز برغم جبروت إمبراطوريتهم آنذاك غرباء تفصلهم عن العراق بحار ومسافات شاسعة ووجودهم استعماري مؤقت محكوم بتبدل موازين القوى الدولية لذا فإن خروجهم كان مسألة وقت تضمنه معاهدة أو بيان سياسي. أما الخطر الوجودي والمستدام فيكمن في دول الجوار اللصيقة التي تملك امتداداً جغرافياً وتاريخياً لا يمكن زحزحته.
لقد استخدم السعيد استعارتين شعبيتين بالغتي العمق والدلالة فوصف تركيا بـ “التيس”،وهو رمز للعناد والخشونة الإقليمية حج تردد لكنه يظل كائناً براغماتياً ؟! يمكن ترويضه واسترضاؤه عبر المصالح المشتركة والاتفاقيات السياسية (“إذا توكله يجوز منك”). في المقابل شبّه إيران بـ “الذئب”وهو تجسيد للغدر والتربص المتأصل فالذئب لا تغير غريزته الودائع ولا ينفع معه الاسترضاء أو تقديم التنازلات إذ يرى في ضعف العراق فرصة دائمة للانقضاض والسيطرة عليه (“حتى لو توكله يعضك”).
الرسالة الأعمق في هذه النبوءة هي التحذير من التفريط في سيادة العراق لصالح الجيران. فالاحتلال الغربي يرحل بنهاية المطاف أما تغلغل الجارين الشرقي والشمالي يعني استيطاناً طويلاً وابتلاعاً للهوية الوطنية يصعب الفكاك منه لقرون (ما يطلع بعد 400 سنة”).
اليوم يبدو كلام الثعلب قراءة حية للواقع تذكرنا بأن حماية العراق تبدأ من فهم جيرانه وأن غياب الدولة القوية يجعلها ساحة مستباحة لـ “الذئاب” التي لا تشبع مهما أُطعمت.
