د. باهرة الشيخلي: «يا حكام العالم… أطعموا الجياع بدل السلاح»

في عام 1993، وقف المصور الجنوب أفريقي كيفن كارتر في أرض أنهكتها المجاعة في السودان، وأمامه طفل نحيل أنهكه الجوع حتى كاد جسده الصغير يعجز عن حمله.
وعلى مقربة منه وقف نسر ينتظر.
رفع كارتر كاميرته والتقط صورة ستصبح لاحقًا واحدة من أشهر صور المآسي الإنسانية في العالم. ثم أبعد النسر، وجلس تحت شجرة يبكي.
وصلت الصورة إلى ملايين البشر، وفازت لاحقًا بجائزة بوليتزر، لكنها لم تغادر حياة المصور نفسه. فقد عاش كارتر تحت وطأة ما شاهده من مجاعات وعنف وموت خلال سنوات عمله، وتراكمت عليه أزمات نفسية وشخصية قاسية. وبعد أشهر قليلة من فوزه بالجائزة، وفي تموز/يوليو 1994، أنهى حياته منتحرًا وهو في الثالثة والثلاثين من عمره.
ولا يصح اختزال انتحاره في تلك الصورة وحدها؛ فقد كانت معاناته أوسع وأكثر تعقيدًا. لكن قصته بقيت تذكيرًا مؤلمًا بأن المآسي لا تترك جراحها في أجساد ضحاياها فقط، بل قد تمتد أحيانًا إلى أولئك الذين يقفون أمامها شهودًا، يحملون صورها معهم بعدما يغادرون المكان.
وبقي وراء الصورة والمصور والجائزة سؤال أكبر من الجميع:
كيف وصل عالمنا إلى أن ينتظر نسرٌ طفلًا يموت من الجوع؟
مرت أكثر من ثلاثة عقود على تلك الصورة، وتغيرت حكومات ودول، وتطورت التكنولوجيا، وازدادت ثروات العالم، ووصل الإنسان إلى مستويات مذهلة من العلم والقوة.
لكن الطفل الجائع لم يختفِ.
تغير اسمه ووجهه ومكانه فقط.
نراه في أفريقيا، وفي غزة والسودان واليمن، وفي مخيمات النزوح ومناطق الحروب والكوارث، وفي كل مكان أصبحت فيه لقمة الخبز أمنية، وكوب الماء النظيف نعمة، والدواء حلمًا بعيدًا.
وفي الوقت نفسه، ينفق العالم أموالًا هائلة على الأسلحة، وتُبنى ترسانات جديدة، وتُشترى الطائرات والصواريخ والدبابات، ويزداد الإنسان قدرة على تدمير الإنسان.
وهنا يحق للإنسان البسيط أن يسأل:
أليس من الأولى أن نطعم الجائع قبل أن نصنع سلاحًا جديدًا؟
يا حكام العالم…
خلف أرقام الموازنات والإحصاءات بشر.
هناك طفل لا يعرف شيئًا عن الجغرافيا السياسية، ولا يفهم لماذا تتصارع الدول، ولا يعرف معنى الردع وموازين القوى والتحالفات.
إنه يعرف شيئًا واحدًا فقط:
أنه جائع.
وهناك أم تحاول أن تخفي خوفها عن أطفالها، وأب يتمنى أن يستطيع أن يضع أمام عائلته أبسط ما يحتاج إليه الإنسان كي يعيش بكرامة.
لا أحد ينكر حق الدول في حماية شعوبها، ولا ندعو إلى عالم خيالي بلا جيوش أو أخطار. ولكن هل يحتاج أمن الإنسان إلى كل هذا القدر من أدوات الموت، بينما يعجز ملايين البشر عن الحصول على أبسط أدوات الحياة؟
تخيلوا لو أن جزءًا فقط من الأموال التي تذهب إلى الحروب والتسلح وصل إلى قرية بلا مدرسة، أو منطقة بلا ماء نظيف، أو مستشفى بلا دواء، أو أسرة لا تستطيع شراء الخبز.
كم طفلًا كان يمكن أن نطعم؟ كم مريضًا كان يمكن أن نعالج؟ كم مدرسة كان يمكن أن نبني؟ وكم إنسانًا كان يمكن أن ننقذ؟
إن القوة الحقيقية للدولة ليست فقط في عدد الطائرات التي تمتلكها، ولا في مدى صواريخها، ولا في حجم ترسانتها.
القوة أيضًا أن تستطيع أن تقول للإنسان:
لن نتركك جائعًا. لن نحرم طفلك من التعليم. ولن نسمح للمرض أن يأخذ منك عزيزًا لأنك لا تملك ثمن العلاج.
الحروب تنتهي يومًا، حتى أطول الحروب.
لكن آثارها تبقى في أجساد الأطفال وذاكرة الأمهات وبيوت النازحين سنوات، وربما أجيالًا.
أما لقمة الخبز التي تصل إلى طفل جائع، والمدرسة التي تفتح أبوابها لطفل محروم، وكوب الماء الذي يصل إلى قرية عطشى، والدواء الذي ينقذ إنسانًا، فهذه أيضًا قوة؛ لكنها قوة تبني الحياة بدل أن تتقن صناعة الموت.
ولهذا فإن هذه الكلمات ليست ضد دولة، ولا جيش، ولا شعب.
وليست موقفًا سياسيًا.
إنها مجرد صرخة إنسانية من أجل ذلك الإنسان الصغير الذي لا صوت له:
يا حكام العالم…
خففوا قليلًا من سباق السلاح.
أطعموا الجائع.
عالجوا المريض.
علّموا الطفل.
أعيدوا للنازح بيته.
وامنحوا الإنسان فرصة أن يعيش حياة تستحق أن تُعاش.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الخوف.
لقد امتلك منه ما يكفي.
يحتاج إلى شيء أبسط بكثير:
أن يجد الطفل في نهاية يومه لقمة تشبعه، وماءً يروي عطشه، وسريرًا ينام عليه من دون أن يخاف من صباح الغد.
وربما يأتي يوم يقف فيه التاريخ أمام قادة هذا العالم، ولن يكون سؤاله الأعظم:
كم سلاحًا امتلكتم؟
ولا:
كم حربًا انتصرتم فيها؟
بل ربما يسألهم سؤالًا أكثر بساطة… وأكثر قسوة:
وكم إنسانًا أنقذتم؟
