نزار العوصجي: القلب للدين، والعقل للوطن، واليدان للمجتمع

ليست المشكلة في أن يؤمن الإنسان بدين، أو ينتمي إلى مذهب، أو يعتز بعقيدته؛ فالإيمان شأن روحي عميق، ومكانه الطبيعي هو القلب.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الدين من قيمة أخلاقية وروحية تهذب الإنسان إلى أداة لتقسيم المجتمع، أو عندما يصبح المذهب هوية سياسية تُستخدم لإلغاء الآخر واحتكار الوطن.
وفي المقابل، فإن الانتماء الحقيقي للوطن لا ينبغي أن يكون مجرد شعار يُرفع في المناسبات، ولا كلمة تُرددها الألسن.
الانتماء للوطن مكانه العقل؛ لأنه وعيٌ وإدراكٌ ومسؤولية.
أن تعرف أن وطنك أوسع من طائفتك، وأكبر من حزبك، وأبقى من كل سلطة عابرة.
وأن تدرك أن الوطن ليس ملكاً لجماعة أو مذهب أو قومية، بل هو حق مشترك لجميع أبنائه.
أما المجتمع، فالإخلاص له لا يُقاس بما نحمله من شعارات، وإنما بما يخرج من أفواهنا من أدب، وما تقدمه أيدينا من عمل صالح.
فالكلمة مسؤولية، والعمل شهادة على حقيقة الإنسان.
قد يتحدث المرء طويلاً عن الأخلاق، ثم يهين الآخرين.
وقد يرفع شعارات الدين، ثم يمارس الظلم.
وقد يتغنى بحب الوطن، ثم يسرق المال العام.
وقد يتحدث عن خدمة المجتمع، بينما لا يقدم له شيئاً سوى الكراهية والتحريض والانقسام.
وهنا تظهر الحقيقة التي كثيراً ما نحاول الهروب منها: الإنسان لا يُقاس بما يدّعيه عن نفسه، وإنما بما يفعله عندما تتاح له فرصة الفعل.
نحن بحاجة إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الدين والوطن والمجتمع.
الدين مكانه القلب، ليصنع إنساناً أكثر رحمةً وصدقاً وأمانةً وتواضعاً.
والوطن مكانه العقل، ليصنع مواطناً واعياً يعرف حقوقه وواجباته، ويفهم أن مصلحة البلاد لا يمكن أن تكون رهينة لمصلحة جماعة أو حزب أو طائفة.
والمجتمع مكانه السلوك، لأن المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الخطب بقدر حاجته إلى أناس يحترمون بعضهم بعضاً، ويعملون بإخلاص، ويحافظون على المال العام، ويساعدون الضعيف، ويحترمون القانون، ويختلفون دون أن يتحول اختلافهم إلى عداوة.
الأجيال القادمة لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام.
إذا أردنا أن نبني جيلاً مختلفاً، فعلينا أن نغير الطريقة التي نربيه بها.
لا نريد جيلاً يتعلم أن المختلف في الدين أو المذهب أو القومية هو عدو، بل نريد جيلاً يفهم أن الاختلاف جزء من الطبيعة الإنسانية، وأن قيمة الإنسان لا تتحدد بلونه أو دينه أو مذهبه، وإنما بأخلاقه وعلمه وعمله.
لا نريد شاباً يحفظ عشرات الشعارات عن الوطن، لكنه لا يحترم القانون.
ولا نريد إنساناً يتحدث عن الدين صباحاً ومساءً، ثم يمارس الكراهية والظلم.
ولا نريد مواطناً يرفع العلم، ثم يسرق وطنه.
نريد إنساناً إذا آمن، أحسن؛ وإذا اختلف، احترم؛ وإذا امتلك السلطة، عدل؛ وإذا امتلك المال، أدى الأمانة؛ وإذا امتلك العلم، نفع به الناس.
الوطن ليس بديلاً عن الدين، والدين ليس بديلاً عن الوطن
من الأخطاء الخطيرة أن نضع الدين والوطن في مواجهة بعضهما بعضاً.
الدين علاقة روحية وأخلاقية بين الإنسان وربه، والوطن علاقة انتماء ومسؤولية بين الإنسان وأرضه ومجتمعه.
وحين يفهم الإنسان دينه بصورة صحيحة، فإن ذلك يجب أن يدفعه إلى احترام الإنسان، وحفظ كرامته، والابتعاد عن الظلم والكذب والخيانة.
وحين يفهم الإنسان وطنه بصورة صحيحة، فإنه لا يطلب منه أن يتخلى عن عقيدته، بل أن يجعل انتماءه الوطني مظلةً تجمعه مع الآخرين، مهما اختلفت معتقداتهم وانتماءاتهم.
فالوطن الذي يسع الجميع هو وطن قوي، أما الوطن الذي يحاول كل طرف اختزاله في هويته الخاصة، فإنه يتحول تدريجياً إلى ساحة صراع.
من القلب إلى العقل، ومن العقل إلى اليد.
المعادلة التي نحتاج إلى ترسيخها في الأجيال القادمة بسيطة وعميقة:
الإيمان في القلب، والانتماء في العقل، والأخلاق في اللسان، والعمل في اليد.
فما قيمة إيمان لا ينعكس رحمةً؟
وما قيمة وطنية لا تتحول إلى مسؤولية؟
وما قيمة الأخلاق إذا بقيت كلمات؟
وما قيمة حب المجتمع إذا لم يتحول إلى عمل؟
إن المجتمعات لا تنهض بالنيات وحدها، ولا بالخطب وحدها، ولا بالشعارات وحدها؛ بل تنهض عندما تتحول القيم التي نؤمن بها إلى سلوك يومي.
ولهذا، فإن أعظم ما يمكن أن نقدمه للأجيال القادمة ليس أن نلقنها من يجب أن تكره، ولا أن نحدد لها مسبقاً من هو المختلف الذي ينبغي أن تخشاه، وإنما أن نعلمها كيف تحترم الإنسان، وكيف تحب الوطن، وكيف تمارس الإيمان، وكيف تجعل من اختلافها وسيلة للتكامل لا سبباً للصراع.
فإذا أردنا مستقبلاً أفضل، فلنبدأ من الإنسان.
اجعلوا الدين في القلب، والوطن في العقل، والأخلاق على اللسان، والعمل في اليد.
عندها فقط يمكن أن نصنع جيلاً لا يعيش على أمجاد الماضي، ولا يكرر أخطاء الحاضر، بل يمتلك القدرة على صناعة مستقبل يستحق أن ينتمي إليه..
