آراء

نزار العوصجي: حين يصبح قول الحقيقة تهمة

في المجتمعات التي تحترم الإنسان وتصون كرامته، لا تكون الكتابة جريمة، ولا تكون المكاشفة تحريضًا، ولا يصبح فضح الفساد اعتداءً، ولا يتحول النقد البنّاء إلى تهمة تستوجب العقاب.
فالكتابة في جوهرها فعل وعي، والنقد وسيلة إصلاح، والمكاشفة ضرورة لحماية المجتمع من الانحراف حين تعجز المؤسسات عن القيام بدورها.
لكن حين يصل الأمر إلى مرحلة يُلاحَق فيها الإنسان لأنه كتب، ويُحاسَب لأنه انتقد، ويُتهم بالتحريض لأنه كشف واقعة فساد أو وجّه اللوم إلى جهة رسمية مقصّرة، فإن المشكلة لم تعد في الكلمات التي كُتبت، وإنما في البيئة التي أصبحت تخشى الكلمات.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن ترتفع فيه أصوات النقد، بل أن تختفي هذه الأصوات خوفًا من العواقب.
فالفساد لا يخشى الصمت، بل يخشى الضوء.
والفاسد لا يخاف من المواطن الصامت، وإنما يخشى الصحفي الذي يسأل، والكاتب الذي يكشف، والمثقف الذي يحلل، والمواطن الذي يطالب بحقه. ولذلك فإن تحويل النقد إلى تهمة ليس معالجة للمشكلة، بل محاولة لإخفائها.
لقد أصبحنا أمام مفارقة مؤلمة: بدل أن يُسأل المسؤول عن أسباب الفشل، يُسأل المواطن لماذا تحدث عنه؛ وبدل أن تُفتح ملفات الفساد للتحقيق، تُفتح ملفات ضد من كشفها؛ وبدل أن تُراجع المؤسسات أداءها، يُطلب من الناس أن يصمتوا حتى لا “يسيئوا” إلى صورة المؤسسة.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال واضحًا: من الذي ينبغي أن يخضع للمساءلة؛ من يكشف الخلل أم من تسبب فيه؟

إن توجيه النقد إلى مؤسسة حكومية أو مسؤول أو جهة مختصة لا يعني بالضرورة التحريض عليها.
هناك فارق جوهري بين التحريض على العنف أو الفوضى وبين ممارسة حق أصيل في التعبير عن الرأي، أو كشف خلل، أو المطالبة بالمحاسبة، أو تحميل جهة ما مسؤوليتها أمام الرأي العام.
والأخطر من ذلك أن يُدفع المواطن تدريجيًا إلى الاعتقاد بأن أفضل وسيلة لحماية نفسه هي الصمت.
فإذا ترسخت هذه القناعة، فإن المجتمع يفقد واحدة من أهم أدوات الرقابة الشعبية، وتصبح الأخطاء بلا صوت، والانتهاكات بلا شهود، والفساد بلا من يفضحه.

إن الدولة القوية لا تخاف من النقد؛ الدولة القوية تستفيد منه.
أما الدولة التي ترى في كل صوت مخالف تهديدًا، وفي كل مقال تحريضًا، وفي كل سؤال إساءة، فإنها لا تحمي هيبتها، بل تضعفها؛ لأن هيبة الدولة لا تُبنى بالخوف، وإنما بالقانون والعدالة والنزاهة وحسن الأداء.
ليس المطلوب من الكاتب أن يكون خصمًا دائمًا للدولة، كما أنه ليس مطلوبًا منه أن يكون بوقًا لها.
مهمته أن يكون ضميرًا حيًا للمجتمع؛ يثني حين يرى إنجازًا، وينتقد حين يرى خللًا، ويكشف حين يجد فسادًا، ويسأل حين تغيب الإجابة.
أما النقد البنّاء، فلا يمكن أن يكون بناءً إذا كان صاحبه مطالبًا أولًا بالحصول على إذن كي ينتقد.

لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإنسان يخشى حتى من التعبير عن ألمه.
وهذه أخطر مراحل القمع؛ لأن القمع لا يبدأ دائمًا بإغلاق الصحف أو اعتقال الكتاب، وإنما يبدأ عندما يشعر المواطن أن كلمة واحدة قد تضعه تحت طائلة الاتهام.
حينها يبدأ الإنسان بمراجعة كل كلمة قبل أن يكتبها، ثم كل فكرة قبل أن يقولها، ثم يفضّل الصمت على المواجهة.
ومع مرور الوقت، يتحول الصمت من خيار فردي إلى ثقافة عامة، وتصبح الحقيقة شيئًا يُقال همسًا، بينما يتحدث الباطل بصوت مرتفع.
فهل هذا هو المجتمع الذي نريده؟

هل نريد مواطنًا يرى الخطأ ويسكت؟
يرى الفساد ويتجاهله؟
يشاهد معاناة الناس ولا يتحدث؟
يعرف الحقيقة لكنه يخشى قولها؟
إذا كان الجواب لا، فعلينا أن ندرك أن حرية التعبير ليست امتيازًا يمنح للناس عندما تكون كلماتهم مريحة، وإنما قيمتها الحقيقية تظهر عندما تكون الكلمة مزعجة، ناقدة، كاشفة، ومطالبة بالإصلاح.
ومن هنا، فإنني لا أرى سببًا يدعو إلى التراجع عن الكتابة، بل أرى أن الحاجة إليها أصبحت أكبر من أي وقت مضى.

نحن لا نكتب للتحريض، بل نكتب للمكاشفة.
لا نكتب لإسقاط الدولة، بل نكتب لكي تستقيم الدولة.
لا نكتب لتصفية الحسابات، بل نكتب لأن هناك حسابًا يجب أن يُفتح مع الفساد.
ولا نكتب بحثًا عن خصومة مع أحد، بل دفاعًا عن حق المواطن في أن يُسمع صوته.
ومن يعتقد أن إسكات الكاتب سيُنهي المشكلة، عليه أن يدرك أن المشكلة لا تسكن في القلم، وإنما في الواقع الذي دفع القلم إلى الكتابة.

لذلك، نعم، هناك داعٍ لأن نكتب.
بل إن هناك مسؤولية أخلاقية تفرض علينا أن نكتب عندما نرى الخطأ، وأن نتحدث عندما يصمت الآخرون، وأن نكشف ما نستطيع إثباته، وأن ننتقد دون تجنٍّ، وأن نطالب بالمحاسبة دون تحريض، وأن نفرّق دائمًا بين حرية التعبير وبين الإساءة أو الدعوة إلى العنف.
فالكتابة المسؤولة لا تهدم الأوطان؛ الذي يهدم الأوطان هو الفساد، والظلم، والإفلات من العقاب، وغياب العدالة، وتحويل المواطن إلى متهم لمجرد أنه امتلك شجاعة السؤال.

ستبقى الكلمة، مهما حاولوا تقييدها، أقوى من الصمت. وستبقى الحقيقة، مهما حاولوا حجبها، تبحث عن طريقها إلى الناس.
ولهذا سنكتب.
نكتب لأن الألم يحتاج إلى صوت، والفساد يحتاج إلى من يفضحه، والخطأ يحتاج إلى من يشير إليه، والمسؤول يحتاج إلى من يسأله، والمجتمع يحتاج إلى من يذكّره بأن الصمت ليس قدرًا، وأن الخوف ليس قانونًا، وأن قول الحقيقة ليس جريمة..

زر الذهاب إلى الأعلى