تحقيقات

العراق بين واشنطن وطهران.. من يملك قرار التصعيد والتهدئة بعد الانسحاب الأميركي؟

بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق، تتصاعد معركة حصر سلاح الفصائل وسط هجمات عابرة للحدود وضغوط اقتصادية وأمنية متشابكة.

يورو تايمز / المحرر السياسي

دخل العراق مرحلة جديدة من التوازن الصعب بين الولايات المتحدة وإيران بعد انتهاء مهمة التحالف العسكري بقيادة واشنطن وانسحاب قواته من القواعد العراقية في 30 سبتمبر/أيلول 2026. لكن خروج القوات لم ينهِ الصراع على القرار الأمني العراقي، بل نقل مركز الخلاف إلى سلاح الفصائل المسلحة، والقدرة على منع استخدام الأراضي العراقية في الهجمات الإقليمية، والنفوذ الاقتصادي والسياسي الذي تمارسه القوى الخارجية داخل البلاد.

وتكشف التطورات التي شهدها أكتوبر/تشرين الأول أن الحكومة العراقية تواجه ثلاثة ملفات مترابطة: تنظيم السلاح خارج مؤسسات الدولة، وحماية العلاقات الأمنية والاقتصادية مع واشنطن، ومنع تحول العراق إلى نقطة انطلاق لعمليات عسكرية مرتبطة بالحرب الأميركية الإيرانية.

انسحاب القوات الأميركية.. نهاية مهمة وبداية اختبار

في 30 سبتمبر/أيلول، أنهت القوات الأميركية انسحابها من قواعدها المتبقية في العراق، تنفيذاً لترتيبات اتُّفق عليها سابقاً بين بغداد وواشنطن. ووفق تقرير لوكالة رويترز، جاء الانسحاب بعد أكثر من عقدين على الغزو الأميركي عام 2003، وفي وقت لا تزال فيه الأجهزة العراقية بحاجة إلى قدرات استخباراتية ومراقبة جوية لمواجهة خلايا تنظيم داعش.

وكان الوجود العسكري الأميركي إحدى الذرائع الرئيسية التي استخدمتها الفصائل المرتبطة بإيران لتبرير الاحتفاظ بالسلاح. غير أن أسوشيتد برس رصدت قبل الانسحاب تمسك فصائل بارزة بأسلحتها رغم اقتراب موعد خروج القوات، بينما ناقش مسؤولون عراقيون إمكان وضع الصواريخ والأسلحة الثقيلة تحت إشراف مركزي وإدماج التشكيلات في مؤسسات الدولة.

وبذلك لم يؤدِّ الانسحاب تلقائياً إلى تسوية مسألة السلاح؛ فقد تحول النقاش من وجود القوات الأجنبية إلى تعريف السيادة ومن يملك حق إصدار قرار الحرب والسلم داخل العراق.

حكومة علي الزيدي والموعد الجديد لحصر السلاح

أعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في الأول من أكتوبر/تشرين الأول خريطة طريق لحصر السلاح بيد الدولة تنتهي في موعد أقصاه 30 يونيو/حزيران 2027، بعد أن كان موعد 30 سبتمبر/أيلول مطروحاً سابقاً. ونقلت فرانس برس ورووداو أن فصائل مسلحة رفضت اعتبار نفسها ملزمة بالجدول الزمني الذي أعلنته الحكومة.

وتتجاوز المشكلة مسألة تسليم البنادق أو الصواريخ؛ فالفصائل المعنية تملك تشكيلات عسكرية ونفوذاً سياسياً وموارد اقتصادية، كما أن بعض أجنحتها يرتبط بمؤسسات رسمية أو يشارك في التحالفات البرلمانية. ولهذا لا يعني الاتفاق على مبدأ حصر السلاح وجود اتفاق على آلية التنفيذ أو الجهة التي ستشرف على مخازن الأسلحة وسلسلة القيادة.

ووفق تحقيق لرويترز، رفضت خمس مجموعات متحالفة مع إيران الموعد السابق لتسليم أسلحتها، ووضعت كتائب حزب الله شروطاً تتعلق بمنع عودة القوات الأميركية وإنهاء النفوذ الأميركي في القرارات السياسية والاقتصادية. كما أوردت الوكالة أن رئيس الوزراء واجه تهديدات وضغوطاً بعد توقيف أشخاص مرتبطين بفصائل مسلحة للاشتباه في صلتهم بهجمات على مصالح أميركية.

هل تسيطر القيادة السياسية على كل التشكيلات المسلحة؟

تضم الساحة العراقية تشكيلات مختلفة من حيث الصفة القانونية والولاء السياسي والارتباط التنظيمي. ويختلف الحشد الشعبي، بوصفه مؤسسة معترفاً بها في الدولة، عن الجماعات التي تعمل ضمن مظلة «المقاومة الإسلامية في العراق» وتتبنى عمليات عسكرية خارج قرارات الحكومة.

وذكرت رويترز نقلاً عن مسؤولين أمنيين أن الفصائل الأكثر تشدداً في مظلة المقاومة الإسلامية تضم نحو عشرة تشكيلات تملك مجتمعة قرابة 50 ألف مقاتل، إلى جانب صواريخ بعيدة المدى وقدرات مضادة للطائرات. وهي تقديرات تخص هذه المجموعات كما نقلها المسؤولون، ولا تشمل جميع منتسبي الحشد الشعبي.

وأشارت متابعة لمعهد دراسة الحرب ومشروع التهديدات الحرجة إلى معلومات عن انشقاق عناصر من عصائب أهل الحق وتشكيل مجموعة مسلحة جديدة بدعم إيراني، بعد تسليم جزء من أسلحة الفصيل إلى السلطات. وتبرز هذه الواقعة، بحسب التحليل المنشور، مشكلة التحقق من تسليم السلاح فعلياً ومنع انتقاله إلى مجموعات تحمل أسماء جديدة.

من العراق إلى الخليج.. عمليات تتجاوز الحدود

لا تنحصر تداعيات نشاط الفصائل في الداخل العراقي. فقد نقلت رويترز في تحقيق نشر في يونيو/حزيران عن ثمانية مصادر عراقية أن الحرس الثوري الإيراني أنشأ خلايا صغيرة داخل العراق لتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة على دول خليجية تستضيف قوات أميركية، وأن بعضها عمل خارج هياكل الفصائل المعروفة.

وفي سبتمبر/أيلول، تعرض خط أنابيب النفط السعودي شرق–غرب لهجمات بطائرات مسيّرة انطلقت، وفق السلطات العراقية، من الأراضي العراقية. وذكرت الجزيرة أن بغداد حددت آثار إطلاق قرب منطقة الطيب في محافظة ميسان، بينما نفت مظلة المقاومة الإسلامية في العراق مسؤوليتها عن الهجوم. ويظهر اختلاف الإسناد بين تحديد موقع الإطلاق وإثبات الجهة المنفذة أهمية التحقيق الأمني في تحديد المسؤولية.

وتضع هذه الوقائع بغداد أمام مسؤولية منع استخدام أراضيها في ضرب دول الجوار، وهي مسألة تؤثر مباشرة في علاقاتها مع السعودية والكويت ودول الخليج الأخرى، ولا تتوقف عند حدود العلاقة الثنائية بين العراق وإيران.

المنطقة الخضراء.. خطر التصعيد داخل العاصمة

في 27 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت خلية الإعلام الأمني العراقية اعتراض طائرة مسيّرة قرب المنطقة الخضراء في بغداد. ونقلت رويترز عن مصدرين أمنيين أن أنظمة الدفاع التابعة للسفارة الأميركية رصدت طائرتين مسيّرتين وأسقطتهما، وأن السلطات عثرت على الحطام وفتحت تحقيقاً لمعرفة مصدرهما والهدف المقصود.

وتضم المنطقة الخضراء مقار حكومية وبعثات دبلوماسية، ولذلك فإن أي هجوم في محيطها يحمل تداعيات أمنية ودبلوماسية تتجاوز الأضرار المادية المباشرة. وتأتي الواقعة بعد سلسلة هجمات صاروخية وبالمسيّرات تعرضت لها مصالح أميركية منذ بدء الحرب.

الدولار والنفط.. نفوذ لا ينتهي بانسحاب الجنود

تحتفظ العلاقة العراقية الأميركية ببعد مالي بالغ الأهمية، إذ تعتمد عائدات النفط العراقية على ترتيبات مصرفية مرتبطة بحسابات لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهو ما يمنح واشنطن أدوات تأثير اقتصادية منفصلة عن الوجود العسكري.

وأشار تحليل نشره مشروع التهديدات الحرجة في الأول من أكتوبر إلى انتقادات صدرت عن الجناح السياسي لعصائب أهل الحق لاستخدام شحنات الدولار أداة ضغط على العراق، وإلى احتمال انتقال بعض القوى الموالية لإيران إلى المطالبة بتقليص الاعتماد المالي على الولايات المتحدة بعد انسحاب قواتها.

وهكذا تتداخل معركة السلاح مع ملف المصارف والتجارة الخارجية وعائدات النفط. فالحكومة العراقية تحتاج إلى استمرار التعامل مع النظام المالي الدولي، بينما تطالب فصائل مرتبطة بإيران بتقليص أدوات الضغط الأميركية. ويجعل هذا التعارض القرار الاقتصادي جزءاً من الصراع على النفوذ السياسي والأمني.

ثلاثة مراكز قرار داخل معادلة واحدة

تتمثل عقدة الأزمة في تداخل صلاحيات الحكومة العراقية ومصالح الفصائل المسلحة وعلاقات تلك الفصائل بطهران. فالحكومة مسؤولة دستورياً عن السياسة الخارجية والأمن الوطني، لكن قدرتها على تنفيذ قراراتها تتأثر بوجود جماعات تمتلك السلاح والتمثيل السياسي في الوقت نفسه.

وتريد واشنطن، وفق رويترز، أن تتخذ بغداد خطوات ملموسة لحصر السلاح ومنع الهجمات على المصالح الأميركية. وفي المقابل، تعارض فصائل متحالفة مع إيران تسليم سلاحها من دون ضمانات سياسية وأمنية واسعة. أما الحكومة فتسعى إلى تطبيق خطتها ضمن توازنات داخلية معقدة لا تسمح بحسم الملف بقرار إداري منفرد.

ويكشف تتابع الأحداث من انسحاب القوات الأميركية في سبتمبر إلى تجديد مهلة نزع السلاح ثم اعتراض المسيّرات قرب المنطقة الخضراء في أكتوبر أن القضية المركزية لم تعد عدد الجنود الأميركيين الموجودين على الأراضي العراقية، بل مدى قدرة المؤسسات العراقية على فرض قرار أمني موحد، ومنع العمليات العابرة للحدود، والحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران ودول الخليج.

شاهد أيضًا

قلعة جبل فارو في #مالقة: أسوار وأبراج فوق الميناء | #إسبانياللمشاهدة عبر تطبيق يوتيوب انقر هنا

رابط الفيديو على يوتيوب: انقر هنا (https://www.youtube.com/watch?v=6FBNFoe4MFE)

زر الذهاب إلى الأعلى