تحقيقات

من يملك قرار الحرب والسلام في إيران؟ صراع الصلاحيات بين الرئاسة والمرشد والحرس الثوري

في وقت تدور فيه المفاوضات بين واشنطن وطهران حول الحصار البحري ومضيق هرمز والبرنامج النووي، يتقدم سؤال داخلي إيراني على الأسئلة العسكرية الخارجية: من يستطيع أن يقول نعم لاتفاق، ومن يمتلك سلطة

يورو تايمز / المحرر السياسي

تقرير تحليلي خاص | 25 أكتوبر 2026

في وقت تدور فيه المفاوضات بين واشنطن وطهران حول الحصار البحري ومضيق هرمز والبرنامج النووي، يتقدم سؤال داخلي إيراني على الأسئلة العسكرية الخارجية: من يستطيع أن يقول نعم لاتفاق، ومن يمتلك سلطة منع تنفيذه؟ يبدو السؤال للوهلة الأولى دستورياً، لكنه اكتسب أبعاداً أكثر تعقيداً بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي في الضربات الأميركية الإسرائيلية مطلع العام، وصعود نجله مجتبى إلى موقع المرشد، واتساع نفوذ المؤسسة العسكرية خلال الحرب. ولا تكفي معرفة اسم المسؤول الذي يدلي بتصريح لنعرف من يتخذ القرار الفعلي.

في 24 أكتوبر نقلت رويترز عن الرئيس مسعود بزشكيان انتقاده الدور الأميركي في تعثر التفاوض، مع دعوته في الوقت نفسه إلى محاولة جديدة للتوصل إلى اتفاق. وفي 20 أكتوبر أوردت الوكالة روايات لمسؤولين إيرانيين ومحللين عن رغبة أطراف في طهران في إطالة المفاوضات إلى ما بعد الانتخابات النصفية الأميركية. لا تثبت هذه الروايات اتفاق جميع مراكز السلطة الإيرانية على تكتيك واحد، لكنها تكشف اتساع المسافة بين الخطاب الدبلوماسي وحسابات الأمن والحرب.

السلطة الدستورية والسلطة التي صنعتها الحرب

ينص نظام الجمهورية الإسلامية على دور مركزي للمرشد في رسم السياسات العامة والقيادة العليا للقوات المسلحة، بينما يتولى الرئيس إدارة الحكومة والتنفيذ والتمثيل الدبلوماسي وفق الصلاحيات المقررة. كما يضم المجلس الأعلى للأمن القومي مسؤولين مدنيين وعسكريين ويتطلب تنفيذ بعض قراراته اعتماد المرشد. لكن النصوص لا تكشف وحدها كيف تُصاغ الخيارات حين تشتد الحرب وتضيق قنوات الاتصال.

وثقت رويترز في تقرير 28 أبريل اتساع الدور التنفيذي لقادة الحرس الثوري في إدارة الحرب، ونقلت عن مصادر داخل النظام أن غياب شخصية دينية تحسم الخلافات بصورة علنية أعطى المؤسسة العسكرية وزناً غير مسبوق. وهذا توصيف صحفي مستند إلى مصادر، وليس إعلاناً رسمياً بأن سلطة المرشد انتهت. فوجود النفوذ العملي شيء وانتقال الصلاحيات القانونية شيء آخر، والخلط بينهما قد يقود إلى تصور خاطئ عن طبيعة الدولة.

الرئيس يفاوض.. لكن ما حدود تفويضه؟

تصريح بزشكيان المؤيد لاستئناف المساعي الدبلوماسية يعبّر عن موقف رئاسي واضح، ولا يعني بالضرورة امتلاكه تفويضاً منفرداً لتغيير شروط الملف النووي أو إنهاء العمليات العسكرية. وفي العادة لا يصمد الاتفاق حين يتعذر على المفاوض ضمان تنفيذ المؤسسات المسؤولة عن الملاحة والعقوبات والأمن. لهذا ينبغي اختبار مدى التنسيق بين الرئاسة ووزارة الخارجية والمجلس الأعلى للأمن القومي والحرس الثوري، لا الاكتفاء بتصريحات التهدئة.

وفي المقابل لا يجوز استنتاج أن كل رسالة متشددة من قائد عسكري تعني رفض الرئاسة أو المرشد للاتفاق. فمن الممكن استخدام خطاب التصعيد لزيادة القوة التفاوضية، مثلما يمكن أن يكشف عن اختلاف فعلي في المصالح. ومن دون محاضر موثوقة لاجتماعات دوائر القرار يبقى التمييز بين الاحتمالين أمراً تحليلياً، وليس معلومة مؤكدة.

الحرس الثوري ومصالح الاستمرار

تتجاوز مكانة الحرس الثوري الجيش التقليدي؛ فهو مؤسسة أمنية وعسكرية ذات امتدادات سياسية واقتصادية، وتضطلع تشكيلاته بأدوار في الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات الخارجية والأمن الداخلي. وتعني الحرب الطويلة أن قادة ميدانيين قد يمتلكون معلومات وقدرات تنفيذ تجعلهم مؤثرين في اختيار توقيت التصعيد أو التهدئة. وقد نقلت رويترز في مارس أن الحرس أعاد توزيع صلاحيات ميدانية على مستويات أدنى استعداداً لفقدان كبار القادة.

لكن اتساع الصلاحية التشغيلية لا يثبت تلقائياً رغبة الحرس في حرب بلا نهاية. فالمؤسسة نفسها تواجه خسائر في الأفراد والمعدات والعائدات الاقتصادية، وقد يرى بعض مسؤوليها في وقف النار فرصة لإعادة التنظيم. ولهذا تظل عبارة إن الحرس يريد الحرب بينما الرئيس يريد السلام اختزالاً لا يستقيم إلا إذا دعمته أدلة محددة على قرارات متعارضة.

للمزيد من سياق المواجهة، تناولت يورو تايمز في تحليل سابق خيارات واشنطن العسكرية والدبلوماسية.

مجتبى خامنئي: سلطة منصب في ظرف استثنائي

أدى الانتقال إلى قيادة مجتبى خامنئي إلى نقاش واسع حول كيفية ممارسة السلطة في ظل ظروف أمنية استثنائية. وقد أشارت تقارير رويترز إلى محدودية ظهوره العلني وتفويض جوانب من الإدارة اليومية إلى دائرة من المسؤولين. أما تقدير مدى قدرته الشخصية على الفصل في الخلافات فلا يمكن حسمه من غياب الظهور الإعلامي، ولا يجوز تحويل التكهنات المتعلقة بحالته الصحية إلى دليل سياسي.

الأهم مؤسسياً هو ما إذا كانت القرارات الكبرى تمر عبر ترتيبات مستقرة تمكن الدولة من التحدث بصوت واحد، أم عبر مساومات مستمرة بين مراكز نفوذ متعددّة. لا يعني تعدد المشاركين انهيار القرار، فدول كثيرة تدير الحرب عبر مجالس ولجان. لكن الشفافية المحدودة تزيد صعوبة التثبت من صاحب التعهد النهائي.

هرمز والانتخابات الأميركية في الحساب الإيراني

أفادت رويترز في 20 أكتوبر أن مسؤولين ومحللين يربطون تمديد التفاوض بانتخابات الكونغرس الأميركية في الثالث من نوفمبر، فيما تضمن المقترح الإيراني إعادة فتح هرمز خلال سبعة أيام مقابل تخفيف الحصار وقيود النفط والإفراج عن أصول مجمدة وإنهاء الأعمال العدائية. وتشير المطالب إلى أن إيران تحاول تحويل قدرتها على إرباك الملاحة إلى مكاسب سياسية واقتصادية قابلة للقياس.

لكن من الذي يستطيع إلزام الوحدات البحرية والصاروخية بوقف العمليات إذا اتفق الدبلوماسيون؟ هنا تصبح بنية القيادة جزءاً من ضمانات التفاوض. فالولايات المتحدة قد تطلب خطوات متزامنة قابلة للتحقق، فيما تحتاج طهران إلى اطمئنان بأن تخفيف الضغط لن يكون مؤقتاً أو قابلاً للإلغاء فوراً. وإذا انعدمت الثقة، قد يفشل الاتفاق حتى مع تقارب صيغته المكتوبة.

ثلاثة نماذج لقرار الحرب

في النموذج الأول تعمل مؤسسات الحكم وفق تفاهم أعلى يوزع الأدوار، فتظهر الرئاسة بوجه تفاوضي والحرس بخطاب ردعي، لكن القرار النهائي موحد. وفي الثاني توجد تباينات حقيقية حول أولويات الأمن والاقتصاد، ويتم الوصول إلى القرارات عبر تسويات داخل النخبة. أما الثالث فهو تزايد استقلال القرارات التنفيذية الميدانية بحيث تصبح مخاطر الحوادث غير المقصودة أكبر من قدرة المركز على الضبط. لا تسمح المعلومات المنشورة بتحديد أي نموذج ينطبق بصورة كاملة على إيران اليوم.

يمكن للصحافة اختبار الفرضيات بمراجعة التعيينات الرسمية، وتطابق التصريحات مع التحركات العسكرية، واستجابة المؤسسات لبنود أي اتفاق، لا بالاعتماد على الانطباعات بشأن شخصيات المسؤولين.

اتفاق يُختبر في التنفيذ لا في التوقيع

إذا تم التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران، فإن معيار نجاحه سيكون التزام جميع المؤسسات المعنية بوقف العمليات وتسهيل الملاحة وتنفيذ الخطوات الاقتصادية والنووية المتفق عليها. وقد يثبت الاتفاق وجود تنسيق فعلي بين الرئاسة والمرشد والحرس الثوري، بينما قد يفضح فشله فجوات أعمق في السلطة أو في الثقة بين الطرفين.

يبدو الصراع الحالي اختباراً لبنية القرار الإيرانية بقدر ما هو اختبار لقدرة الولايات المتحدة على الضغط. وربما لا يكون السؤال الأكثر دقة من يحكم إيران وحده، بل كيف تتخذ مؤسساتها قراراً يمكن تنفيذه في لحظة تتقاطع فيها خسائر الحرب وأعباء الاقتصاد ومستقبل النظام السياسي.

المصادر والمراجع

اقرأ أيضاً

شاهد أيضًا

قصبة مالقة وقلعة جبل فارو: قلعتان فوق #مالقة | #إسبانياللمشاهدة عبر تطبيق يوتيوب انقر هنا

رابط الفيديو على يوتيوب: انقر هنا (https://www.youtube.com/watch?v=PQsY0BUJt_4)

زر الذهاب إلى الأعلى