الكشف عن أكبر عملية أميركية سرية استمرت 4 أشهر لنزع ألغام إيران من مضيق هرمز ليلًا

يورو تايمز – علي الجابري
كشفت صحيفة Financial Times عن تفاصيل عملية عسكرية أميركية شديدة السرية استمرت نحو أربعة أشهر في مضيق هرمز، استخدمت خلالها البحرية الأميركية غواصين من قوات العمليات الخاصة وقوارب روبوتية ومركبات متخصصة تحت الماء لتعقب الألغام البحرية وتدميرها، في معظم الأحيان ليلًا وتحت سطح الماء.
وجرت العملية بينما كانت الولايات المتحدة وإيران تتبادلان الضربات والهجمات في المضيق ومحيطه، ما يعني أن القوات الأميركية كانت تنفذ بالتوازي مهمة أخرى أكثر هدوءًا وخطورة لإعادة فتح واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم أمام السفن التجارية.
وبحسب أشخاص مطلعين على العملية تحدثوا إلى Financial Times، أُرسلت فرق صغيرة من غواصي البحرية الأميركية إلى المضيق، واعتمدت على قوارب غير مأهولة ومركبات غاطسة مزودة بأجهزة سونار للعثور على الأجسام المشتبه في كونها ألغامًا، قبل أن يقترب الغواصون منها ويضعوا شحنات متفجرة لتدميرها.
ولم يُعلن عن مقتل أي جندي أميركي خلال عملية إزالة الألغام نفسها، رغم وصف المهمة بأنها شديدة الخطورة حتى في ظروف السلم، فكيف في منطقة تشهد تبادلًا للصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات البحرية.
أربعة أشهر في الظلام وتحت الماء
وتكشف تفاصيل العملية أن نزع الألغام لم يكن حملة سريعة باستخدام كاسحات ألغام كبيرة تتحرك علنًا في المضيق.
وبدلًا من ذلك، اعتمدت الولايات المتحدة بدرجة كبيرة على أنظمة صغيرة ومتخصصة يمكن تشغيلها بسرية، بما في ذلك قوارب روبوتية ومركبات تحت سطح الماء تستخدم السونار لمسح القاع والممرات الملاحية.
وبعد تحديد جسم يُشتبه في أنه لغم، يأتي دور غواصي البحرية الذين يتعين عليهم الاقتراب منه والتحقق منه، ثم تثبيت شحنة لتدميره إذا ثبت أنه يشكل خطرًا.
وقال ضابط البحرية الأميركية المتقاعد بيل هامبليت Bill Hamblet في حديث نقلته Financial Times إن المرحلة الأخيرة عادة ما تتطلب من غواص بحري النزول إلى الماء والاقتراب من اللغم ووضع شحنة عليه قبل تدميره.
وتوضح هذه الطريقة سبب استغراق المهمة عدة أشهر رغم أن المسافة التي يجري الحديث عنها محدودة نسبيًا؛ إذ يمكن أن يحتوي قاع البحر على عدد هائل من الأجسام المعدنية والمخلفات التي يجب فحصها واحدًا تلو الآخر.
البداية بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير
بدأت أزمة الملاحة الحالية في مضيق هرمز بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط 2026، حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران، أعقبتها مواجهات واسعة امتدت إلى الملاحة ومنشآت الطاقة والقواعد العسكرية في المنطقة.
وقالت إيران خلال الحرب إنها زرعت ألغامًا في مناطق من المضيق، بما في ذلك ممرات بحرية تستخدمها السفن الدولية، في إطار محاولتها منع واشنطن من فرض سيطرة كاملة على حركة الملاحة.
وأصبح خطر الألغام أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت شركات الشحن وناقلات النفط إلى الابتعاد عن المسار التقليدي في وسط المضيق أو استخدام مسارات بديلة أقرب إلى السواحل العمانية.
كم عدد الألغام؟
تداولت تقارير قطاع الملاحة في يونيو/حزيران تقديرًا يقارب 80 لغمًا داخل المسار التقليدي الرئيسي لمضيق هرمز.
وكان Phil Belcher، المدير البحري في رابطة ملاك الناقلات المستقلة Intertanko، قد قال آنذاك إن أحدث تقدير لديهم يشير إلى وجود نحو 80 لغمًا، محذرًا من أن تنظيف المسار سيستغرق وقتًا.
كما نقلت Financial Times في تقريرها الجديد تقديرًا مشابهًا لحجم التهديد.
أما المواد الرسمية الصادرة عن الهيئات البحرية الدولية فتؤكد بصورة قاطعة وجود الألغام وعمليات إزالتها، وإن لم تتضمن كل النشرات المنشورة رقمًا موحدًا لها.
ففي 18 يونيو/حزيران، حذر Joint Maritime Information Center – JMIC في مذكرة منشورة عبر المنظمة البحرية الدولية IMO السفن من استخدام نظام الفصل المروري الدولي التقليدي في المضيق بسبب وجود الألغام، وأكد أن عمليات إزالة الألغام النشطة مستمرة.
وحددت المذكرة أيضًا موقع لغم مؤكد، ونصحت السفن باستخدام الممر الجنوبي داخل المياه العمانية باعتباره المسار الذي تم التأكد من خلوه من الألغام في ذلك الوقت.
طريق هرمز تحول إلى «طريق سريع مغلق من الوسط»
وكان قطاع الشحن يشبه الوضع في يونيو بطريق سريع أُغلق مساره الرئيسي، بينما يُجبر السائقون على استخدام كتف الطريق.
فالمسار المركزي للمضيق كان قادرًا قبل الحرب على استيعاب حركة واسعة في الاتجاهين، بينما لا تستطيع المسارات البديلة قرب عمان وإيران التعامل مع الحجم نفسه بالكفاءة ذاتها.
ويكتسب ذلك أهمية استثنائية لأن نحو 20% من النفط العالمي كان يمر عبر مضيق هرمز قبل الحرب.
وكانت حركة العبور قد تراجعت بصورة حادة بعد اندلاع القتال، تاركة مئات السفن وعشرات الآلاف من البحارة عالقين في المنطقة أو بانتظار ترتيبات أمنية للمرور.
ترامب أعلن في أغسطس انتهاء مهمة إزالة الألغام
وفي 25 أغسطس/آب، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن البحرية الأميركية أبلغته بإزالة أو تفجير جميع الألغام الموجودة في المياه الدولية لمضيق هرمز.
وقال ترامب إن إيران أُبلغت بأن أي قارب أو سفينة تحاول زرع ألغام جديدة سيتم «تدميرها بصورة فورية ومنهجية».
وأكد مسؤولان أميركيان تحدثا إلى Axios آنذاك أن البحرية أنهت تنظيف Traffic Separation Scheme – TSS، وهو المسار الملاحي الرئيسي بين إيران وعمان.
وفي 28 أغسطس، أعلن البيت الأبيض أن الألغام الإيرانية أزيلت من ممرات الشحن الدولية، وقال إن نحو 1500 سفينة تجارية مرت تحت الحماية الأميركية منذ بدء العمليات.
كما قال قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر Brad Cooper إن القوات الأميركية أزالت «بصورة دقيقة وهادئة» الألغام التي زرعها الحرس الثوري الإيراني قبل أشهر.
لكن العملية لم تعتمد أساسًا على كاسحات الألغام التقليدية
وأحد أكثر جوانب تقرير Financial Times إثارة هو الطريقة التي أُنجزت بها المهمة.
فثلاث سفن أميركية تُستخدم عادة في مهام مكافحة الألغام في الخليج كانت موجودة بعيدًا في المحيطين الهندي والهادئ منذ أوائل يونيو على الأقل، وهو ما أثار تساؤلات بين خبراء الملاحة عن كيفية تمكن واشنطن من تنفيذ عملية بهذا الحجم.
والجواب الذي تكشفه الصحيفة هو الاعتماد المكثف على الغواصين والروبوتات والأنظمة غير المأهولة.
واستخدمت المركبات تحت الماء والقوارب الروبوتية أجهزة سونار للبحث عن الأجسام المشبوهة، بينما تولت فرق بشرية صغيرة التعامل مع الألغام التي تتطلب تفجيرًا مباشرًا.
وتشكل العملية بذلك اختبارًا عمليًا مهمًا لطريقة جديدة في حرب الألغام البحرية، يمكن فيها تقليل الاعتماد على السفن الكبيرة واستبدال جزء من مهمتها بأنظمة روبوتية وقوات صغيرة متخصصة.
تنظيف المضيق لا يعني السيطرة عليه
لكن إزالة الألغام لم تنه الصراع على هرمز.
ففي نهاية أغسطس عادت المواجهة العسكرية إلى التصاعد بعدما ضربت الولايات المتحدة مواقع إيرانية قالت إنها مرتبطة بمحاولات جديدة لزرع ألغام.
وفي الأول من سبتمبر، أعلنت القيادة المركزية الأميركية CENTCOM تنفيذ موجة ضربات ضد أهداف للحرس الثوري شملت دفاعات جوية ورادارات وأصولًا بحرية ومنشآت مرتبطة بقدرات زرع الألغام.
ثم أعلنت إيران في 3 سبتمبر/أيلول أنها زرعت ألغامًا بحرية جديدة على ما وصفته بـ«المسارات غير المشروعة» جنوب مضيق هرمز، ما يوضح أن إزالة حقل ألغام قائم لا تمنع إيران من محاولة إعادة زرع المضيق.
وتكمن هنا المعضلة الأساسية أمام الولايات المتحدة: تحتاج عملية إزالة اللغم الواحد إلى وقت وجهد كبيرين، بينما يمكن لطرف قريب من المضيق أن يحاول زرع ألغام جديدة بسرعة وبوسائل صغيرة نسبيًا.
حرب نفسية إلى جانب حرب الألغام
وترى Financial Times أن الصراع في هرمز لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح أيضًا حربًا على من ينجح في إقناع شركات الشحن بأنه يسيطر على المضيق.
فالولايات المتحدة تريد إقناع الناقلات بأن الممر أصبح آمنًا وأن البحرية الأميركية قادرة على حمايتها.
أما إيران فتستفيد حتى من مجرد إبقاء الشك قائمًا بشأن وجود ألغام أو خطر صواريخ وطائرات مسيرة، لأن شركات الشحن وشركات التأمين تتخذ قراراتها بناءً على مستوى الخطر المتوقع وليس فقط عدد الهجمات التي تقع فعليًا.
ولهذا ظلت أسعار التأمين مرتفعة واستمرت شركات عديدة في تجنب المضيق رغم إعلان واشنطن إزالة الألغام.
حركة السفن تعود للتراجع بقوة
وتؤكد أحدث بيانات الملاحة أن المشكلة لم تنته.
فبحسب بيانات نشرتها Reuters في 6 سبتمبر/أيلول، انخفض متوسط عدد سفن السلع التي عبرت مضيق هرمز خلال الأيام العشرة السابقة إلى نحو 10 سفن يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ مايو/أيار.
وتراجع العدد من أكثر من 15 سفينة في أحد الأيام إلى سفينتين فقط السبت، بعد موجة جديدة من الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران استهدفت ناقلات وسفنًا حربية.
كما لم تخرج أي ناقلات نفط خام عملاقة VLCC عبر المضيق منذ الأربعاء، وفق البيانات نفسها.
وهذا يعني أن نجاح الولايات المتحدة في إزالة حقل الألغام الذي استغرق أربعة أشهر لم يؤد وحده إلى إعادة الملاحة إلى وضعها الطبيعي، لأن خطر الصواريخ والطائرات المسيّرة وزرع ألغام جديدة ما زال قائمًا.
عملية سرية تكشف حجم المعركة تحت سطح هرمز
وتكشف المعلومات الجديدة أن الصراع حول مضيق هرمز كان أوسع بكثير مما ظهر في بيانات الغارات الجوية والهجمات البحرية.
فبينما كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة تتصدر العناوين، كانت فرق أميركية صغيرة تعمل ليلًا تحت الماء بحثًا عن ألغام قد يؤدي انفجار أحدها إلى تدمير ناقلة نفط أو تعطيل الممر الملاحي لأيام جديدة.
ونجحت الولايات المتحدة، وفق الرواية الأميركية، في تنظيف المسار الدولي الرئيسي بحلول أواخر أغسطس.
لكن إعلان إيران بعد ذلك بأيام زرع ألغام جديدة، واستمرار انهيار حركة السفن، يوضحان أن المعركة لم تعد تتعلق فقط بسؤال كم لغمًا أزيل؟، بل بسؤال أكبر: هل تستطيع واشنطن إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا بصورة دائمة أمام سفن لا تريد المجازفة بطواقمها ومليارات الدولارات من النفط والبضائع؟
اقرأ أيضًا
ماذا يحدث إذا أصابت إيران حاملة طائرات أمريكية؟ سيناريو قد يغير الحرب
معركة الحصارين في هرمز.. لماذا بدأ الوقت يعمل ضد إيران؟
