مقالات رئيس التحريرموضوعات رئيسية

د. علي الجابري: “عبد الزهرة وعمر” في انتخابات السويد!

من عاش الانتخابات العراقية خلال العقدين الماضيين يعرف جيداً “عبد الزهرة” و”عمر”.. عراقيان “شهيران” يحضران بقوة قبل كل انتخابات، ويختفيان، أو يكادان، فور إغلاق صناديق الاقتراع!

قبل الانتخابات تبدأ ماكينة الشحن الطائفي بالعمل.. صفحات ممولة على مواقع التواصل الاجتماعي، جيوش إلكترونية، ناشطون حزبيون “صخّم الله تاريخهم”، وجماعة الكي كارد “سوّد الله صفحاتهم”” من المستفيدين من استمرار النظام السياسي القائم، يدخلون جميعاً في سباق محموم لإقناع “جماعة عبد الزهرة” بأن “عمر” قادم لأخذ السلطة منهم!!

إنها الحملات المسعورة التي عرفها العراقيون جيداً: لا تسأل المرشح ماذا فعل بالكهرباء، ولا أين ذهبت أموال الدولة، ولا لماذا انهارت الخدمات، ولا لماذا تحولت مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات حزبية. المطلوب فقط أن تخاف!

“عليك ان تخاف من الآخر، ثم اذهب وانتخبني”!!

وفي الانتخابات العراقية الأخيرة ظهرت نسخة أكثر فجاجة من هذه المعادلة.. حملة “إسلاموية شيعفارسية” كان مضمونها، بصرف النظر عن اختلاف الكلمات المستخدمة: يا “عبد الزهرة”، يا شيعي، عليك أن تذهب إلى الانتخابات وتنتخب الأحزاب “الإسلاموصفوية الشيعية”، لأنك إن لم تفعل فسوف يعود “عمر” ويحكمك من جديد بقبضة من حديد!

ولغير العراقيين أوضّح أن “عمر” هنا ليس شخصاً، وانما هو الاسم الرمزي الذي يُستدعى لإثارة الخوف من “السنّة”!

لكن خلف هذا الشعار كانت هناك حقيقة مختلفة تماماً؟! المطلوب لم يكن حماية الشيعة من أحد، وإنما حماية سلطة طبقة سياسية متهمة بالفساد والارتهان للنظام الإيراني، وإدامة نظام نهب البلاد والعباد.. نظام لم يبدأ بسرقة السنّة قبل الشيعة، بل سرق أولًا الناس الذين ادعى أنه يمثلهم ويحميهم من آل “عبد الزهرة”!

وحين تنتهي الانتخابات، يحدث شيء عجيب.

يختفي عبد الزهرة!

ويختفي عمر!

وتهدأ الحملات المسعورة، ويجلس ممثلو الطوائف الذين كانوا قبل أيام يحذرون جمهورهم بعضهم من بعض إلى طاولة واحدة لتقاسم “كعكة” الحكومة والمناصب والمغانم.

وقد يسأل سائل: وما علاقة كل ذلك بانتخابات السويد؟

أقول لكم: لأن العدوى وصلت إلى هنا أيضاً؟!

بطبيعة الحال، السويد ليست العراق، والانتخابات السويدية ليست انتخابات طائفية، ولا يجوز وضع النظامين السياسيين في كفة واحدة. لكن ما يثير القلق هو انتقال منطق التعبئة بالخوف من الآخر إلى قلب الخطاب الانتخابي السويدي: لا تنتخبني لأن لدي برنامجاً أفضل، بل انتخبني لأن الطرف الآخر إذا عاد إلى الحكم فستقع الكارثة.

خذوا مثلًا زعيمة حزب الليبراليين سيمونا محمدسون.

محمدسون، لمن لا يعرف خلفيتها، ابنة أب فلسطيني وأم لبنانية، واسم والدها كان في الأصل “محمد” قبل أن يغير اسمه إلى محمدسون “Mohamsson” ليصبح أكثر انسجاماً مع البيئة السويدية! وتتحول إبنته الى “ملكية أكثر من الملك”؟! وقد تحدثت هي نفسها بفخر عن قصة الاسم وعن رغبة والدها في أن تصبح الأسرة جزءًا من المجتمع السويدي.

لكن يبدو أن شيئاً من “الجينات العربية على طريقة آل عبد الزهرة” وأساليب التعبئة السياسية التي نعرفها جيداً في المنطقة العربية وجد طريقه وتسلل، بطريقة سويدية هذه المرة، إلى المعركة الانتخابية؟!

فبدل أن يكون السؤال الأول أمام الناخب: لماذا ينبغي إنقاذ حزب الليبراليين؟ وما المشروع السياسي الذي يقدمه الحزب للسويد؟ وما الذي سيغيره بعد أربع سنوات شارك خلالها في معسكر الحكم؟ يصبح جزء أساسي من الرسالة: انتخبونا كي لا يعود الاشتراكيون الديمقراطيون إلى الحكم؟!

أليس هذا، مع اختلاف البلد والأسماء والظروف، منطق «عبد الزهرة وعمر» نفسه؟

انتخب عبد الزهرة، ليس لأن عبد الزهرة ناجح، بل لأن عمر سيعود!

وانتخبني، ليس لأنني أقنعتك بما سأفعله، بل لأن خصمي يجب ألا يعود إلى الحكم!

وتزداد المفارقة حين يأتي هذا الخطاب من حزب يقاتل اليوم من أجل بقائه أصلًا داخل البرلمان! فالليبراليون يخوضون انتخابات 2026 وهم أمام معركة وجودية مع حاجز الأربعة في المئة. وهنا يصبح تخويف الناخب من عودة اليسار أو الاشتراكيين الديمقراطيين وسيلة لإنقاذ حزب يواجه خطر الخروج من البرلمان!

أما ديمقراطيو السويد SD، فالمعادلة لديهم أكثر وضوحاً.

فجزء كبير من قوتهم السياسية خلال السنوات الماضية بُني على تحديد “المشكلة” ثم الإشارة إلى الآخر: الهجرة، المهاجرون، الإسلام، الجريمة، الاندماج. ومع اقتراب الانتخابات يصبح الخوف وقوداً انتخابياً شديد الفاعلية!

وهنا نصل إلى النسخة السويدية من المعادلة العراقية:

انتخبوا «عبد الزهرة السويدي» حتى لا يعود «عمر السويدي» ويحكمكم.

الأسماء تغيرت.

اللغة تغيرت.

حتى الطقس تغير.

لكن تقنية التخويف السياسي تبدو مألوفة بصورة مدهشة.

والأخطر أن هذا النوع من السياسة لا يحتاج إلى أن تكون السويد عراقاً حتى يترك أثره فيها. يكفي أن يتحول الخصم السياسي من منافس تختلف معه إلى خطر يجب إنقاذ البلاد منه.

الديمقراطية الطبيعية تقول للناخب: هذا برنامجي، وهذه حصيلة عملي، وهذه أخطائي، وهذه الضرائب التي سأخفضها أو أرفعها، وهذه سياستي في الصحة والمدارس والطاقة والهجرة والجريمة، فقارن بيني وبين منافسي ثم اختر.

أما ديمقراطية “عبد الزهرة وعمر” فتقول شيئاً أبسط بكثير:

لا تنظر إليّ.. انظر إلى ذلك الوحش الواقف خلفي!! إذا لم تنتخبني، سيأتي ويبتلعك؟!

وهذا بالضبط ما يزرع الشقاق والنفاق في السياسة. لأن السياسي الذي يبني وجوده على شيطنة خصمه يحتاج في كل انتخابات إلى جرعة أكبر من الخوف، وإلى عدو أكثر رعباً، وإلى مجتمع أكثر انقساماً.

وهنا تكمن خطورة محاولة (عرقنة) الانتخابات السويدية!

ليس المقصود أن السويد تحولت إلى العراق، وإنما أن بعض السياسيين بدأوا يستعيرون واحدة من أسوأ أدوات السياسة التي عرفناها في العراق: “اجعل الناخب يخاف من خصمك بدل أن تجعله يثق بك”!

وسيمونا محمدسون، وهي تحاول إنقاذ الليبراليين من السقوط والخروج من البرلمان، تحتاج إلى أن تسأل نفسها سؤالًا مختلفاً: لماذا يجب على السويدي أن ينتخب حزبها؟ ولماذا وصل الى القاع؟

إذا كانت الإجابة هي فقط “حتى لا يعود الاشتراكيون الديمقراطيون”، فهذه ليست إجابة عن مستقبل السويد.

هذه نسخة سويدية مهذبة من شعار سمعناه طويلًا في العراق: “انتخب عبد الزهرة… حتى لا يحكمك عمر“!

زر الذهاب إلى الأعلى