إسرائيل هيوم: خنق اقتصاد إيران قد يرتد عكسياً ويدفع النظام إلى التصعيد العسكري

اقتصاد إيران تحت ضغط غير مسبوق.. لكن الفقر قد لا يُسقط النظام بل يجعله أكثر عدوانية
يورو تايمز
تواجه إيران واحدة من أشد أزماتها الاقتصادية والمعيشية منذ سنوات، وسط ارتفاع حاد في الأسعار وتراجع القوة الشرائية ونقص في الغذاء والدواء والطاقة والمياه، لكن زيادة الضغط الاقتصادي على طهران لا تعني بالضرورة أن النظام سيتجه إلى التراجع أو تقديم تنازلات، بل قد تدفعه إلى مزيد من القمع الداخلي والتصعيد العسكري في المنطقة، وفق تقرير موسع نشرته صحيفة Israel Hayom الإسرائيلية.
ويرسم التقرير صورة لاقتصاد تعرض لضربات متراكمة ناجمة عن العقوبات الدولية وسوء الإدارة والفساد والحرب والحصار البحري الأميركي، بالتزامن مع انهيار الريال وارتفاع التضخم والبطالة وإغلاق مصانع وتضرر البنية التحتية.
لكن السؤال الذي يطرحه التقرير يتجاوز حجم الأزمة نفسها: هل يؤدي خنق الاقتصاد الإيراني إلى إضعاف النظام، أم يمكن أن تكون له نتيجة عكسية تجعل القيادة أكثر عدوانية في محاولة الحفاظ على بقائها وردع خصومها؟
اللحوم والحليب تتحول إلى سلع يصعب على الإيرانيين شراؤها
وافتتح Israel Hayom تقريره بمقطع ساخر للكوميدي الإيراني المعارض حسين أكبري Hossein Akbari، الذي يقلد المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني.
وفي أحد مقاطعه، يسخر أكبري من الأزمة المعيشية ويقترح على الإيرانيين، بأسلوب تهكمي، استبدال اللحوم بالدجاج ثم البيض، والأرز بالشعير، والحليب واللبن بالماء.
لكن خلف السخرية، يقول التقرير إن استهلاك الغذاء داخل إيران شهد تغيراً عميقاً.
وبحسب الأرقام التي أوردها، ارتفعت أسعار اللحوم ومنتجات الألبان بأكثر من 100 بالمئة خلال عام واحد، فيما تراجع متوسط استهلاك الفرد من اللحوم الحمراء إلى أقل من 500 غرام شهرياً.
كما انخفض متوسط استهلاك الفرد من منتجات الألبان من نحو 100 كيلوغرام سنوياً في بداية العقد الماضي إلى أقل من 40 كيلوغراماً حالياً.
ويقول التقرير إن إيرانيين على وسائل التواصل الاجتماعي يتحدثون عن التحول بصورة متزايدة إلى أنظمة غذائية تعتمد أساساً على الكربوهيدرات والمنتجات الأرخص والأقل جودة بسبب عدم القدرة على شراء البروتينات والمواد الغذائية الأغلى ثمناً.
قسائم ومساعدات لمنع اتساع الجوع
وأطلقت الحكومة الإيرانية، وفق التقرير، برنامجاً طارئاً يعتمد على المساعدات النقدية والقسائم الإلكترونية لمساعدة السكان في شراء المواد الأساسية.
لكن بعض المتاجر، بحسب Israel Hayom، ترفض قبول القسائم بسبب تأخر البنوك في تحويل قيمتها المالية إلى أصحاب المتاجر.
ولا تقتصر المشكلة على الغذاء، إذ يقول التقرير إن أسعار الأدوية ارتفعت بمئات النسب المئوية، ما دفع بعض المرضى إلى تأجيل علاج الأمراض المزمنة، بينما تحدثت مستشفيات عن نقص في معدات طبية أساسية وأدوية التخدير.
أكثر من مليون وظيفة مفقودة
وأشار التقرير إلى تداعيات الحرب وإغلاق المصانع وتضرر البنية التحتية والحصار التجاري والبحري على سوق العمل.
وبحسب أرقام نقلتها Israel Hayom عن تقارير دولية، فقد أكثر من مليون إيراني وظائفهم نتيجة إغلاق مصانع وتدمير بنى تحتية والقيود الناجمة عن العمليات العسكرية والحصار.
الزواج يتراجع والنساء يؤجلن الإنجاب
كما تراجعت معدلات الزواج بشكل كبير، فيما ازداد عدد النساء الشابات اللواتي يخترن تجميد البويضات وتأجيل الإنجاب أملاً في تحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مستقبلاً.
الطبقة الوسطى تدخل «اقتصاد الإصلاح»
ويركز جزء مهم من التقرير على التآكل المتسارع للطبقة الوسطى الإيرانية.
واستندت Israel Hayom إلى تقرير لصحيفة شرق Shargh الإصلاحية داخل إيران تحدث عن ظهور ما وصفه بـ«اقتصاد الإصلاح».
فمع ارتفاع أسعار السيارات والأجهزة المنزلية الجديدة، اتجه الإيرانيون إلى إصلاح ممتلكاتهم القديمة بدلاً من استبدالها، لكن أسعار قطع الغيار ارتفعت بدورها إلى درجة أن حتى الإصلاح أصبح خارج قدرة عدد متزايد من الأسر.
ويعيش بعض الإيرانيين، وفق التقرير، مع مكيف سيارة معطل أو غسالة أو مكنسة كهربائية أو أدوات مطبخ لا تعمل لأنهم لا يستطيعون تحمل كلفة الإصلاح أو الاستبدال.
حتى علاج الأسنان أصبح رفاهية
وتحدث مديرون في عيادات أسنان عن مرضى يؤجلون العلاج أو يختارون الحلول الأرخص.
وبدلاً من الحشوات أو التيجان أو زراعة الأسنان، يختار بعض المرضى خلع السن لأنه أقل تكلفة.
وقال محلل إيراني الأصل يعيش في إسرائيل، طلب عدم كشف اسمه خشية على أقاربه داخل إيران، إن الأزمة لم تعد مقتصرة على الفقراء، بل وصلت إلى عائلات من الطبقة الوسطى الحضرية والمتعلمة التي كانت في السابق قادرة على السفر والذهاب إلى المقاهي والسينما والمسرح.
الإيرانيون يستبدلون السينما بمشاهدة الأفلام في المنازل
وقدم المحلل مثالاً على تغير نمط الحياة، إذ بدأ بعض محبي السينما بالتخلي عن شراء التذاكر ودعوة أصدقائهم إلى المنازل لمشاهدة الأفلام معاً.
ويرى أن هذه التحولات مهمة سياسياً لأنها تطال شريحة متعلمة وحضرية لم تكن في السابق من الفئات الأكثر استعداداً للنزول إلى الشوارع ضد النظام بسبب استقرار أوضاعها الاقتصادية نسبياً.
طوابير وقود وانقطاع كهرباء وأسواق فارغة
كما استند Israel Hayom إلى عشرات المقاطع المصورة التي وصلت من داخل إيران أو نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الأخيرة.
وأظهر أحد المقاطع طابوراً طويلاً من السيارات ينتظر الوقود في مدينة آمل Amol، بينما تحدث رجل عن نقص البنزين والديزل والكهرباء.
وفي مقطع آخر، اشتكت امرأة من ارتفاع سعر الفاكهة منخفضة الجودة إلى أكثر من 300 ألف تومان.
كما ظهرت متاجر بأرفف شبه فارغة وأسواق في طهران وكرج يشكو الباعة فيها من ضعف الطلب.
وتحدث صاحب مخبز عن التخلص من مئات الكيلوغرامات من العجين بسبب انقطاعات الكهرباء، بينما قال صاحب متجر إن سعر زيت الطعام ارتفع 120 بالمئة.
التقرير يحذر من الاعتماد على الفيديوهات وحدها
وأشار Israel Hayom نفسه إلى ضرورة التعامل بحذر مع المقاطع المنتشرة على الإنترنت، موضحاً أنه في عصر الذكاء الاصطناعي والمعلومات المضللة يصعب التأكد من أصالة جميع الصور والفيديوهات أو معرفة مدى تمثيلها للوضع العام.
لكن الصحيفة تقول إن هذه المقاطع تتزامن مع تصريحات وأرقام صادرة عن مسؤولين ومؤسسات إيرانية رسمية تعترف بدورها بالمشكلات الاقتصادية.
أزمة المياه والكهرباء تمتد إلى الخدمات الأساسية
وبحسب شركة إدارة موارد المياه الحكومية في إيران، كما نقل التقرير، فإن نحو 30 بالمئة من السعة التخزينية لخزانات البلاد فارغة، فيما تؤدي موجات الجفاف إلى صعوبات في توفير المياه لمحافظات من بينها طهران وخراسان رضوي وقم وهمدان.
وفي إيلام، تحدث مسؤول عن خفض تدفق المياه ليلاً حتى تتمكن الخزانات من الامتلاء مجدداً لليوم التالي.
وفي كلستان، حذر مسؤول محلي من احتمال حدوث انقطاعات في الغاز تستمر بين 60 و90 يوماً خلال الشتاء.
محافظ البنك المركزي: «عذراً.. لا نملك المال»
ونقل التقرير عن محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي إقراره بأن صادرات النفط أصبحت شبه متوقفة وأن الإيرادات النفطية والضريبية تعرضت لضربة.
وقال إن نحو 12 مليار دولار كان من المفترض أن تصبح متاحة من خلال ترتيبات مع قطر لم يتم الإفراج عنها بعد، كما أشار إلى تأخر العراق في تسديد أموال مستحقة لإيران.
بزشكيان يعتذر للإيرانيين
ووصل الاعتراف بالأزمة إلى الرئيس مسعود بزشكيان الذي اعتذر للمواطنين عن المشكلات، وقال إن إيران تخوض «حرباً شاملة اقتصادية وعسكرية وأمنية».
العقوبات ليست السبب الوحيد
وقال راز زيمت Raz Zimmt، مدير برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS، إن العقوبات تتحمل جانباً مهماً من الأزمة، لكنه أضاف إليها سوء الإدارة والفساد والقرارات السياسية والتدخل الواسع للحرس الثوري في الاقتصاد.
وأشار التقرير أيضاً إلى أن الاقتصاد الإيراني أثبت قدرته سابقاً على البقاء تحت العقوبات، إذ كان نصيب الفرد من الناتج المحلي وفق تعادل القوة الشرائية والأسعار الثابتة في 2025 أعلى بنحو 10 بالمئة من 2018.
الحصار البحري غيّر المعادلة
ويرى التقرير أن الحصار البحري الأميركي منذ أبريل/نيسان زاد الأزمة حدة.
فقبل الحصار كانت إيران تصدر أكثر من مليوني برميل يومياً، بينما تراجع الرقم بحلول مايو/أيار إلى أقل من 100 ألف برميل يومياً، بحسب الأرقام الواردة في التقرير.
ونقلت Israel Hayom تقديراً بأن استمرار الحصار يكلف إيران نحو 435 مليون دولار يومياً.
كما أشار زيمت إلى تقدير لبزشكيان يضع خسائر الحرب عند نحو 270 مليار دولار.
التضخم والفقر يتصاعدان
وقال التقرير إن التضخم السنوي ارتفع من نحو 54 بالمئة إلى أكثر من 70 بالمئة، مع تضاعف كلفة سلة الغذاء الأساسية.
في المقابل، وضعت بيانات حديثة نقلتها رويترز التضخم السنوي عند نحو 66 بالمئة، ما يشير إلى اختلاف بين التقديرات أو الفترات المستخدمة.
كما ارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 300 بالمئة والمبيدات بنحو 150 بالمئة.
ونقل التقرير عن الاقتصادي الإيراني والوزير السابق مسعود نيلي قوله إن قرابة 16 مليون شخص انضموا خلال سبع سنوات إلى السكان الواقعين تحت خط الفقر.
الحكومة تبحث الدعم وتقنين الوقود
وتبحث الحكومة كيفية زيادة القسائم والمساعدات للمواد الأساسية، إلى جانب التعامل مع ملف تقنين الوقود بعد خفض الحصص وظهور نقص في البنزين والديزل، خصوصاً شمال البلاد.
قاليباف: القوة العسكرية لا تكفي إذا كان الشعب جائعاً
وقال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع ضمان بقاء البلاد إذا كان السكان يعانون الجوع ولا توجد حركة لرأس المال أو نمو اقتصادي.
ويرى الباحث يوسي منشروف Yossi Mansharof أن الضغط الاقتصادي يدفع بزشكيان وقاليباف باتجاه البحث عن اتفاق يعيد الأموال ويخفف الأزمة.
لكن النظام قد يصبح أكثر تشدداً
ويحذر التقرير من أن المصلحة الاقتصادية للحكومة لا تعني أن القيادة العليا ستختار التراجع.
وقال منشروف إن النظام كلما شعر بأنه محاصر قد يزيد تهديداته، مستفيداً من إغلاق مضيق هرمز ونقاط ضعف دول الخليج، بينما يشدد القمع الداخلي لمنع عودة الاحتجاجات.
احتمال استهداف منشآت النفط السعودية
وقال زيمت إن أحد السيناريوهات المطروحة هو أن تختار إيران، إذا شعرت بأنها لم تعد قادرة على تحمل الضغط الاقتصادي، استهداف بنية تحتية نفطية في السعودية في محاولة للخروج من المأزق.
ولا يقدم التقرير ذلك باعتباره قراراً قائماً، بل سيناريو محتملاً يناقشه الخبراء.
الفقر لا يؤدي تلقائياً إلى الثورة
ويحذر زيمت من افتراض أن تدهور الوضع المعيشي سيؤدي تلقائياً إلى إسقاط النظام.
فالمواطن الذي ينشغل بكيفية توفير الغذاء لعائلته قد تكون لديه طاقة ووقت أقل للاحتجاج، خصوصاً بعد تجربة الحرب والقمع العنيف.
ولهذا فإن الغضب الشعبي لا يتحول بالضرورة بصورة مباشرة إلى حركة سياسية قادرة على إسقاط النظام.
«إذا شعر النظام بأنه سيسقط فقد يذهب إلى الحرب»
ويخلص التقرير إلى أن الأزمة يمكن أن تدفع بعض مراكز السلطة الإيرانية إلى التفاوض، لكنها يمكن أيضاً أن تدفع القيادة إلى القمع أو التصعيد الإقليمي أو استهداف منشآت الطاقة أو اللجوء إلى الحرب إذا اعتقدت أن بقاء النظام نفسه أصبح مهدداً.
وبذلك قد يكون الضغط الاقتصادي سلاحاً ذا حدين: يضعف قدرة إيران على تمويل الدولة ويزيد حاجتها إلى اتفاق، لكنه قد يجعل النظام في الوقت نفسه أكثر خطورة إذا شعر بأنه محاصر ولا يملك طريقاً آمناً للتراجع.
