آراء

اللواء الركن فيصل الدليمي: هل مخاطر الصدام المباشر بين تركيا وإسرائيل تتقارب اليوم؟

في ضوء التنافس التركي الإسرائيلي في سوريا ومخاطر الصدام المباشر التي تتعاظم اليوم خاصة بعد أن مثل استهداف مطار ( أبو الظهور) في شمال غرب سوريا،مؤشراً على انتقال التنافس الإقليمي على الساحة السورية إلى مرحلة جديدة، وخطيرة عنوانها منع تشكُّل بنية عسكرية سورية مرتبطة بتركيا من حيث التدريب والتنظيم والتسليح والعقيدة العملياتية.فالدور التركي في سوريا اليوم لم يعُد يقتصر على دعم الاستقرار أو إعادة الإعمار أو حماية الحدود الجنوبية، بل يتّجه نحو المساهمة المباشرة في تشكيل المؤسسة العسكرية الجديدة، وهو ما يستبطن احتمال تحوُّل العلاقة بين أنقرة ودمشق من تعاون سياسي وأمني إلى شراكة دفاعية عضوية ذات طابع مؤسّساتي مُستدام. وحتى،ولو
لم يكن الجيش السوري الناشئ معادياً لإسرائيل في المرحلة الحالية، إلّا أنه من وجهة نظر العدو الإسرائيلي الصهيوني يمكن أن يتحوّل مستقبلاً إلى عامل يغيّر ميزان القوى في الجبهة الشمالية السورية لإسرائيل،وهذا بالضبط ما يُقلِق إسرائيل اليوم ،ومن هنا، تُفهم الغارة على مطار أبو الظهور السوري بوصفها محاولة لعرقلة هذا المسار التركي السوري قبل اكتماله، ومنع قيام بنية عسكرية سورية أوسع يمكن أن تستضيف لاحقاً قوات أو مستشارين أو منظومات تسليح مرتبطة بتركيا. وفي المقابل،تَنظر تركيا إلى سوريا اليوم باعتبارها جزءاً مهم من عمقها الاستراتيجي، ومرتبطةً مباشرة بأمن حدودها،وبالمسألة الكردية وبالتوازنات الإقليمية، فضلاً عن مكانة أنقرة نفسها كقوة مركزية مهمة في الشرق الأوسط
،ولهذا،فإن المساهمة التركية اليوم في بناء الجيش السوري الجديد تبدو، بالنسبة إلى تركيا، وسيلة فعّالة لترسيخ نفوذ تركي طويل الأجل داخل الدولة السورية الجارة،ولكن بالمقابل هذا الطموح لا يروق لإسرائيل التي تفضّل سوريا محدودة القدرة العسكرية،ولا تتحوّل الأراضي السورية اليوم إلى قاعدة نفوذ عسكري لقوّة إقليمية منافسة مثل تركيا ،ومن ثمّ، فإن الخلاف اليوم يدور حول شكل سوريا المستقبلية وموقعها في النظام الإقليمي.لكن يبقى السؤال هل الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية كفيلة بمنع السيناريوات التي لا تحبّذها تل أبيب في سوريا؟
هنا اعتقد أن الطرفان سيسعيان إلى تجنّب المواجهة المباشرة،من دون التخلّي عن أهدافهما الأساسية،.مع العرض بأمكان الضربات الجوية الصهيونية على سوريا أن تعطّل منشآت أو تؤخّر برامج تسليح، لكنها لا تستطيع بسهولة منع بناء علاقة عسكرية مؤسّساتية بين تركيا وسوريا ،وإذا ما استمرّ التعاون السوري التركي اليوم في مجالات التدريب، والقيادة والسيطرة، والاستخبارات، والدفاع الجوي، والطائرات المُسيّرة، والصواريخ، فإن القدرة الصهيونية على إيقاف هذا المسار بالقوة ستصبح محدودة وأكثر كلفة.حيث إن الاستخدام المُكثّف للقوة الإسرائيلية قد يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ فكلّما شعرت دمشق بأن إعادة بناء قدراتها العسكرية تتعرّض لخطر مستمرّ من إسرائيل؟ بالمقابل قد تزداد حاجة سوريا إلى مظلّة أمنية تركية أوسع، وهو ما قد يكون من شأنه التحدي بتسريع خطوات التعاون مع أنقرة اليوم .
وعليه : يبدو أن الساحة السورية مقبلة على نمط جديد من التنافس قد يقوم على اختبار الخطوط الحُمر؟ إذ ستسعى تركيا إلى توسيع وجودها بصورة تدريجية ومنخفضة الظهور عبر إرسال المستشارين، والتدريب، والتزويد بالمعدّات، واستخدام المنشآت السورية،من دون الانتقال سريعاً إلى إعلان قواعد تركية دائمة.وفي المقابل، قد تحاول إسرائيل تكثيف ضرباتها للبنية التحتية السورية تلك، منعاً لتحوّلها إلى واقع يصعب تغييره. وما بين المسعيَين المتعاكسَين، يبرز خطر سوء التقدير المستقبلي أو حتى ممكن احتمال وقوع خسائر تركية نتيجة ضربة إسرائيلية، وهو ما يمكن أن يفتح الباب على أزمة ثنائية أكثر حدّة وخطورة، وفي هذا السياق قد يبرز الدور الأميركي باعتباره عاملاً حاسماً؛ فالولايات المتحدة تحتاج إلى تركيا بأعتبارها عضو مهم في حلف الناتو في ترتيبات سوريا الجديدة،وفي الوقت نفسه تريد أميركا أن تحافظ على التزامها بأمن إسرائيل وتفوّقها الإقليمي،ولذلك، فإن مصلحة أميركا الأساسية اليوم تتمثّل في منع تحوّل الخلاف إلى مواجهة مفتوحة،والعمل على بلورة قواعد عمل غير مُعلنة لتوزيع النفوذ وترسيم حدود الانتشار العسكري في سوريا،
ومع ذلك وفي هذا السياق يمكن الحديث اليوم عن ثلاثة سيناريوات مستقبلية محتملة: الأوّل التوصّل إلى تفاهمات غير مباشرة تسمح باستمرار التعاون السوري التركي ضمن حدود لا تعتبرها إسرائيل تهديداً مباشراً لها ؛والثاني،استمرار اختبار الخطوط الحُمر من جانب الطرفَين التركي والإسرائيلي، وأمّا الثالث،والأخطر،تحول هذا التنافس بين تركيا وإسرائيل إلى سباق على تثبيت وقائع عسكرية متبادلة،بما يشمل نشر دفاعات جوية أو تعزيز الوجود العسكري الدائم في مناطق الأهتمام والتأثير،
وبالتالي أعتقد التقدير الأرجح اليوم،أن الطرفَين التركي والإسرائيلي المتمكنين سيسعيان إلى تجنّب المواجهة المباشرة، لكن من دون التخلّي عن أهدافهما الأساسية.فتركيا لن تتراجع اليوم بسهولة عن إرادتها بتعزيز نفوذها داخل سوريا، وإسرائيل لن تَقبل بقيام بنية عسكرية سورية تركية واسعة تستطيع مستقبلاً تقييد حرية عمل إسرائيل..
والإيام القادمة حبلى بالتطورات والمتغيرات والتداعيات الساخنة بالمنطقة..؟!.
وإن غداً لناظرة قريب …
وإلى الله ترجع الأمور …

زر الذهاب إلى الأعلى