روبيرت ملحم: الكتلة الأكبر.. أكبر خدعة سياسية في العراق واختيار رئيس وزراء العراق مهزلة تُحسم في الغرف المغلقة!

من المؤسف أن تتحول الانتخابات في العراق، التي يفترض أن تكون رمزا لإرادة الشعب، إلى واحدة من أكبر المهزلات السياسية في تاريخ الدولة الحديثة. فما يجري في كل دورة انتخابية لم يعد منافسة ديمقراطية حقيقية، بل مسرحية رديئة الإخراج، أبطالها الأحزاب نفسها، ونتيجتها معروفة سلفا: إعادة إنتاج الفشل وتدوير الخراب.
في العراق، لا تخاض الانتخابات على أساس البرامج والرؤى، بل على أساس المال السياسي، واستغلال النفوذ، وشراء الذمم، وتحشيد الجيوش الإلكترونية، واستخدام مؤسسات الدولة لخدمة القوى المتنفذة. المواطن يستدعى فقط يوم الاقتراع ليمنح شرعية جديدة لمن تسببوا في بؤسه، ثم يعاد إلى طوابير البطالة وانقطاع الكهرباء ورداءة الخدمات حتى إشعار آخر.
أما بعد إعلان النتائج، فتبدأ الفضيحة الأكبر صراخ حول التزوير، طعون، مساومات، تهديدات، وصفقات تطبخ في الغرف المغلقة، وكأن أصوات الناس لا قيمة لها. يتحول البرلمان إلى سوق للمناصب، وتتحول الحكومة إلى غنيمة تتقاسمها الأحزاب، بينما يترك الشعب يراقب مهزلة توزيع الكعكة على حساب وطن ينهار.
الأكثر استفزازا أن القوى نفسها التي فشلت لعشرين عاما تعود في كل مرة بوجوه جديدة وشعارات مستنسخة، وكأن ذاكرة العراقيين قصيرة، يعدون بمحاربة الفساد وهم صناع منظومته، ويتحدثون عن الإصلاح وهم المستفيد الأكبر من بقاء الخراب، ويرفعون شعارات الوطنية بينما يتقاسمون الدولة كأنها إرث خاص.
أما اختيار رئيس الوزراء، فهو الفصل الأكثر سخرية في المسرحية العراقية، فالدستور يتحدث عن الكتلة الأكبر، لكن تفسير الكتلة الأكبر تحول إلى باب واسع للتلاعب السياسي، بعد كل انتخابات تبدأ المساومات: من يجمع النواب أكثر؟ من يرضي الخارج؟ من تقبل به الفصائل؟ من لا يزعج الأحزاب النافذة؟ وهكذا لا يختار رئيس الوزراء على أساس الكفاءة أو البرنامج أو الإرادة الشعبية، بل على أساس ميزان المصالح والترضيات.
وفي كثير من الأحيان، لا يعرف المواطن اسم رئيس الوزراء المقبل إلا بعد أسابيع أو أشهر من الاجتماعات السرية والصفقات الليلية، يتحول المنصب الأهم في الدولة إلى جائزة ترضية بين الكتل، لا إلى استحقاق وطني والأسوأ أن بعض المرشحين يفرضون كحلول وسط لأنهم الأضعف أو الأقل اعتراضا، لا لأنهم الأقوى أو الأجدر لذلك يصل إلى السلطة أحيانا من لا يملك مشروعا، بل مجرد قبول مؤقت من أطراف النزاع.
لقد فقدت الانتخابات في العراق هيبتها ومعناها، لأن المواطن لم يعد يرى فيها طريقا للتغيير، بل وسيلة لتجديد سلطة الفاشلين. ولهذا ترتفع نسب المقاطعة، ويتسع الغضب الشعبي، ويتعمق الشعور بأن اللعبة مغلقة، وأن النتائج تفصل بما يناسب المتنفذين لا بما يريده الناخبون.
إن أخطر ما في هذه المهزلة ليس الفساد وحده، بل قتل الأمل. حين يقتنع المواطن أن صوته بلا قيمة، وأن الصندوق مجرد ديكور، فإن الدولة نفسها تفقد شرعيتها المعنوية، والعراق اليوم لا يواجه أزمة انتخابات فقط، بل أزمة نظام سياسي كامل جعل من الديمقراطية قناعا، ومن الانتخابات خدعة موسمية، ومن الشعب مجرد أداة تستخدم ثم ترمى.
