آراء

نزار العوصجي: السيطرة على مضيق هرمز وأبعاده في الصراع الأمريكي – الصيني

تتزايد التوترات في منطقة الخليج العربي مع تصاعد التصريحات الأمريكية بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز ، وهو أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط .
وفي هذا السياق ، يعتقد بعض المحللين أن نية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتحرك عسكرياً للسيطرة على جزيرة خرج الإيرانية أو تحييدها قد تكون خطوة استراتيجية تهدف في النهاية إلى إحكام السيطرة على مضيق هرمز ، وليس فقط الضغط على إيران .
فجزيرة خرج تعد مركزاً حيوياً لصادرات النفط الإيرانية ، إذ تمر عبرها نسبة كبيرة من النفط الإيراني المتجه إلى الأسواق العالمية .
لذلك ، فإن السيطرة عليها أو تعطيل دورها يمكن أن يقلل من قدرة إيران على استخدام النفط كورقة ضغط سياسية أو عسكرية .
كما أن تأمين الممرات البحرية في مضيق هرمز يمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على التحكم في تدفق النفط العالمي .
غير أن الهدف الأوسع لمثل هذه الخطوة ، وفق بعض التحليلات الجيوسياسية ، قد لا يقتصر على إيران وحدها ، بل يمتد إلى الصين .
فالصين تعتمد بشكل كبير على واردات النفط القادمة من منطقة الخليج العربي ، ويعد مضيق هرمز أحد الشرايين الأساسية التي تمر عبرها هذه الإمدادات .
وبالتالي ، فإن السيطرة الفعلية أو غير المباشرة على المضيق تمنح الولايات المتحدة ورقة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها في صراع النفوذ العالمي مع الصين .
ومع ذلك ، فإن أي محاولة للسيطرة العسكرية على مواقع حساسة في المنطقة قد تؤدي إلى تصعيد خطير ، وربما إلى مواجهة إقليمية واسعة ، نظراً لحساسية المضيق وأهميته الاقتصادية العالمية .
كما أن المجتمع الدولي ، وخاصة الدول المستوردة للنفط ، سيسعى على الأرجح إلى تجنب أي سيناريو يؤدي إلى تعطيل طويل الأمد في تدفق الطاقة .
في المحصلة ، فإن الحديث عن السيطرة على جزيرة خرج أو مضيق هرمز لا يمكن فصله عن التنافس الدولي الأوسع ، خاصة بين الولايات المتحدة والصين .
ويظل مستقبل هذه المنطقة مرهوناً بالتوازن بين الحسابات العسكرية والدبلوماسية ، وبقدرة الأطراف المختلفة على تجنب الانزلاق إلى صراع شامل قد تكون له آثار عالمية .
السؤال الذي يدور في خلد الكثيرين هو : لماذا تُماطل أمريكا في إسقاط النظام الإيراني المُتهالك ؟
‏الجواب : الصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول أسيوية أخرى من أبرز المنافسين الاقتصاديين لأمريكا ، ولاسيما الصين التي تكاد تتفوق عليها ، بالإضافة لسهولة وصول الطاقة لها .
‏ فنزويلا وإيران وروسيا هم أكبر المصدرين الطاقة للصين ، فنزويلا سيطرت عليها أمريكا ، والآن في صدد السيطرة على إيران .
وروسيا منهكة بحربها مع اوكرانيا ، إلى جانب العقوبات الأقتصادية الأمريكية المفروضة عليها .
‏بالرغم من إن إيران أصبحت دانيةٌ من الإنهيار ، لكن أمريكا تحرص على إشاعة إن إيران وأذرعها أقوياء ، وليس من السهل السيطرة عليهم ، ويجب أن يشترك حلف الناتو في هذه الحرب ، لكي تستمر ازمة الطاقة في الصين أطول فترة ممكنة ، مما يضعف إقتصادها ويتراجع ، والمحادثات الأخيرة التي كشف عنها ترامب مع إيران تدخل ضمن هذه الدعاية .
‏غير ذلك أمريكا تريد أن تضمن إتفاق دولي يتيح لها تكون المتحكم الأكبر في ( مضيق هرمز ) ، هذا الممر والشريان المهم الذي يتحكم في جزء كبير من طاقة الإقتصاد العالمي ، لكنها لليوم لم تصل لذلك .
‏ومتى ما ضمنت أمريكا سيطرتها على هرمز و مصادر الطاقة في إيران باتفاقات دولية فأنها ستدمر النظام الإيراني وتسقطه خلال ساعات .
‏وهذا ما يفسر سبب سماحها للميليشيات العراقية الموالية لإيران بضرب أهداف مهمة في العراق وأثارة الفوضى الأمنية ، وبالرغم من ذلك تسكت عنهم لكي لا تستقر أسعار الطاقة عالمياً لإن العراق بلد نفطي .
‏ناهيك عما ذكر فانها تسكت وفرحة بضرب إيران لدول الخليج لإنهم من ابرز موردي الطاقة للعالم وإنتاحهم حالياً شبه متوقف والصين لا تقدر تتخذ منهم بديلاً .
‏ما ذكر أعلاه جزء من أهداف أمريكا غير المُعلنة رسمياً في حربها على إيران .

قد يسأل سائل عن الدوافع الحقيقية التي تقف خلف هذه الحرب ، حيث ان
هناك خلط كبير في قراءة ابعاد وخلفيات هذه الحرب ، كما ان هنالك محاولات مستمرة لقلب الحقائق .
فالبعض يروج لفكرة أن ما يحدث هو مجرد سعي من قوى الاستكبار العالمي ، بقيادة أمريكا للسيطرة على موارد الدول الضعيفة واستغلال ثرواتها .
لكن من الضروري هنا قول الحقيقة كما هي ، لا الاكتفاء بالشعارات أو التحليلات المجتزأة ، لذا نجد ان هنالك ضرورة لتقديم سرداً تاريخياً للأحداث وتذكيراً لمن يتناسى أو يتجاهل .
فمنذ وصول الخميني إلى الحكم في إيران ، رفعت شعارات واضحة وصريحة : “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”.
ولم تبقَ هذه الشعارات في إطار الخطاب ، بل ترجمت عملياً منذ الأيام الأولى لما يسمى بالثورة الإسلامية ، عندما تم الهجوم على السفارة الأمريكية واحتجاز العاملين فيها لأكثر من عام ، ذالك ما عرف بـ أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران .
هذا الحدث شكل صدمة كبرى وتهديداً مباشراً للهيبة والمصالح الأمريكية .
ثم جاءت الحرب التي شنها نظام الملالي على العراق تحت شعار تصدير الثورة الإسلامية ، والتي استمرت ثماني سنوات ، تكبدت فيها خسائر كبيرة أسهمت في كبح جماح إيران مؤقتاً .
وبعد انتهاء الحرب ، لم تتجه إيران نحو التهدئة ، بل بدأت بإعادة بناء قوتها العسكرية ، مع تركيز واضح على تطوير برنامجها النووي ، الأمر الذي اعتبرته أمريكا تهديداً مباشراً لمصالحها ونفوذها في المنطقة ، فيما رأت فيه إسرائيل تهديداً وجودياً لا يمكن تجاهله .
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، بل توسع من خلال تشكيل قوى مسلحة خارج حدود إيران ( ميليشيات ) ، تدين لها بالولاء الكامل سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ، ومن أبرز هذه القوى : الحوثيون ، حزب الله ، حركة حماس ، اضافة إلى فصائل عراقية متعددة تجاوزت ال 70 فصيل .
ومع مرور الوقت ، تحولت هذه الجهات إلى قوى عسكرية مؤثرة داخل دولها ، بل وموازية في كثير من الأحيان لقوة الدولة نفسها ، مما زاد من حالة عدم الاستقرار ووسع دائرة التهديد ، ليس فقط إقليمياً بل أيضاً للمصالح الأمريكية وحلفائها ، وعلى رأسهم إسرائيل .
في ظل هذه المعطيات ، يصبح من الطبيعي ( من وجهة نظر أمريكا ) أن تتحرك لحماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة ، كما يصبح من البديهي ( من وجهة نظر إسرائيل ) أن تتعامل مع هذا الواقع كتهديد مباشر لوجودها .
أزداد هذا التوتر مع التصريحات المتكررة من قادة إيران وحلفائهم ، التي تتحدث صراحة عن القضاء على إسرائيل ورمي اليهود في البحر .
وعليه ، فإن أي دولة تمتلك القوة العسكرية التي تمتلكها أمريكا وإسرائيل ، كانت ستتصرف بطريقة مشابهة عندما تواجه ما تعتبره تهديداً لمصالحها أو لوجودها .
ولو قلبنا المعادلة ، وكانت إيران دولة ديمقراطية تحترم شعبها ، وتكفل له الحرية والكرامة ، وتستثمر ثرواتها في التنمية بدل الصراعات ، وتسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع جيرانها ، لكان المشهد مختلفاً تماماً .
بمعنى أوضح : لو كان النظام الإيراني يضع مصلحة شعبه أولاً ، هل كانت أمريكا وإسرائيل ستتجرآن على ما تفعلانه اليوم ؟
الجواب واضح : لا ، وألف لا .
ختاماً نقول : لمن لا يعرف دهاليز عقلية ترامب السياسي ذو عقلية التاجر .
فتغريدة ترامب وما تبعه من لقاء صحفي على أرض المطار ، يبدو انها كانت خطوة تكتيكية إلى الوراء وليس تراجعاً استراتيجياً ، فهو الوحيد الذي يعرف كيف يتعامل مع حائك السجاد الإيراني .
ترامب اشترى الوقت ريثما تكتمل الاستعدادات العسكرية ، بالذات وصول المارينز ، ومن أجل تهدئة الأسواق النفطية ، ومن اجل زعزعة الاستراتيجية الإيرانية .
ونفذ تهديده عند انتهاء المهلة ال 48 ساعة بجزئية محسوبة في ضرب مصدرين للطاقة ، ليرسل رسالة مفادها : انني لازلت عند تحذيري وهذا نموذج منه .
ان ملف تغيير النظام الإيراني “تحت التحديث اليومي” داخل غرف القرار . ويسير ضمن إطار زمني محدد مداه الى 9 / أبريل ، نيسان .
‏والتحركات الحالية ليست للتفاوض ، بل لفرض شروط الاستسلام النهائي لتغيير النظام الإيراني ، أو استمرار التدمير العسكري .
ما تقدم يدفعنا للقول كفى تهوراً .
كفوا عن العنتريات والصخب السياسي الذي لا يقود إلا إلى الهلاك .
فالشعوب وحدها من يدفع الثمن ..

زر الذهاب إلى الأعلى