آراء

د. عبدالسلام سبع الطائي: اللعبة الكبرى.. كيف تدير أمريكا صراعها مع إيران دون حرب؟


مدخل: من استهان بالبداية اخطأ النهاية

قد نضطر احيانا الى الاشارة لما كتبناه ونشرناه قبل سنين من تحليلات، بوصفه سندا يبرهن على دقة التوقعات والاستقراء المبكر للأحداث. فقد نشرنا قبل سبع سنوات مقالا موسوما: الحرب المحتملة مع ايران والسلام المستحيل مع العرب بثلاثة اقسام (انظر الملحق 1، 2، 3)، تلاه مقال اخر بعنوان: حرب المياه… رؤية في الصراع العربي الايراني (4). كما تنبأنا بعودة طالبان.

تنطلق هذه الورقة من مقاربة جيوسياسية تفترض ان العلاقة بين الولايات المتحدة وايران واسرائيل والعرب لا تتجه نحو حرب شاملة ولا نحو سلام مستقر للعرب خاصة، بل تستقر في حالة «لا حرب ولا سلم»، تدار عبر منظومات الردع والعقوبات والحروب بالوكالة. كما تبحث في انعكاسات هذا النمط من الصراع على دول الخليج والعراق، بوصفها ساحات تأثير اكثر من كونها مراكز قرار، مع التركيز على البعد الاقتصادي المرتبط بالطاقة والممرات البحرية والتحولات في بنية النظام الدولي.

الحالة التشاؤليةاللا حرب واللا سلم

استخدم في هذه الورقة عبارة «الحالة التشاؤلية» تعبيرا عن الوضع السياسي الايراني / العراقي / الخليجي، كونه بات وضعا لا هو تفاؤلي ولا هو تشاؤمي. ولغرض تفكيك هذه الجدلية السياسية والاعلامية سنحاول اعادة تركيب هذه الجدلية التشاؤلية، للتحقق من مصداقية المحادثات والمناوشات الاعلامية والعسكرية التفاؤلية بين الضربات التشاؤلية عبر المفاوضات، لكونها مجرد مناوشات شبه تعرضية غير مجدية لتغيير النظم السياسية، بما فيها تغيير رجال الدين النوويين في ايران، حتى احتار المفسرون فيها: اهي دراما اعلامية ام حرب جدية؟!

اشكاليات استراتيجية امريكية: وقف التهديدات والقضاء عليها ام ادارتها؟

وعليه، وجب علينا معرفة نية الادارة الامريكية بوضوح: اان كان جوهرها العهود ام الوعود، لمعرفة ان كانت راغبة حقا بحل المشكلة الايرانية / الخليجية، ام تريد وقف التهديدات لا القضاء عليها، لغرض ادارة سياستها واستثمارها، كما يتوقع ذلك الكثيرون وانا واحد منهم، كي لا تتورط دول وقوى وطنية في الوقوع في المحظور.

اهداف استراتيجية بحرية في حرب التحريك النفط غازية

في هذا الاطار، تبرز الدول العربية: الخليجية ولبنان وسوريا واليمن والعراق كمناطق ساخنة للحرب بالشرق الاوسط، لكونها تشكل نقطة التقاء لثلاث ادوات استراتيجية متداخلة:
• الطاقة (الخليج العربي)
• الممرات البحرية (مضيق هرمز – بحر العرب – البحر الاحمر والمحيط الهندي)
• التنافس الدولي (الولايات المتحدة – الصين – ايران)

امريكا تريد تهديد الصين بايران لاضعافها، وايران تريد تهديد امريكا بالعراق. ان محاولات الضغط على ايران غرضها اضعاف اقتصاد الصين، لوضع حد لمنافسة البضائع الصينية للبضائع الامريكية. كما يفسر استهداف امريكا لايران بانه تهديد لروسيا ايضا، لوقف او عرقلة تشييد مشروع النقل التجاري والسياحي من منطقة اوراسيا، اضافة الى «طريق الميريديان» السريع، المشروع الذي نفذ مؤخرا بالاتفاق بين روسيا والصين ودول اسيا الوسطى منذ عام 2005. لذلك فان تعزيز التعاون بين روسيا والصين يشكل اكبر تهديد لامريكا.

طرق استراتيجية: مضيق هرمز والمسارات البحرية

يشكل مضيق هرمز «المجال الحيوي لامريكا تجاه بحر الصين» عبر سلسلة مترابطة من المسارات البحرية:
مضيق هرمز → بحر عمان → بحر العرب → باب المندب → البحر الاحمر → قناة السويس → المحيط الهندي → بحر الصين الجنوبي

ولا يقتصر هذا الامتداد على كونه طرقا تجارية، بل يمثل:
• شريان الطاقة العالمي
• مسار صادرات النفط والغاز الخليجية
• محور التنافس الامريكي–الصيني
• نقطة ارتكاز لنفوذ «الشياطين» الاقليمي الايراني. صحيفة السياسة الكويتية اشارت منذ 1980 بان غلق مضيق هرمز سيؤدي الى حرب عالمية ثالثة وان امريكا لم تطلب التنسيق مع دول الخليج بهذا الشأن! (انظر المرفق)

صراع الشياطين: الايراني | الاسرائيلي | الامريكي

صراع ملة الشياطين: ايران واسرائيل وامريكا كقوى متداخلة في العراق ودول الخليج ولبنان وسوريا واليمن وغيرها، لاعادة تشكيل هذه الدول لزرع ثقافة وجنس اخر من خلال:

1. الشيطان الديموغرافي 

2. الشيطان النووي للعمائم النووية الايرانية 

فاليوم، الشيطانان الاكبر والاصغر الايراني، كلاهما، يقفان على خشبة المسرح السياسي وحلبة الملاكمة الدولية. فامام هذين الشيطانين خياران: اما التغيير الحقيقي للعمائم النووية للنظام الايراني من قبل الشيطان الاكبر بالقوة، او قبول الشيطان الاصغر شروط التفاوض، والا سيفسر صراع الشيطانين بانه مجرد قنبلة صوتية او عرض لمسرحية هزلية. على الرغم من اننا لم نر دولة تشتم وتهدد منذ 47 سنة مثل ايران، ولا دولة تهدد ايران مثل امريكا. والا فان لقواعد الاشتباك هذه سيناريوهات اخرى قد تكون متفقا عليها!

سيناريوهات مستقبلية للمنطقة

وقد دققنا ناقوس الخطر منذ ذلك التاريخ 2019 بمقالاتنا المنشورة (الحرب المحتملة مع ايران والسلام المستحيل مع العرب) بالاشارة الى سيناريوهات خريطة الشرق الاوسط المرتقب ظهور ملامحها الاولى نهاية عام 2025 تحديدا، والتي توقعنا ان تتصدر اولوياتها المرجعية العربية الاسلامية في ارض الحرمين بعد تدمير المرجعية القومية في العراق. وفي هذا السياق يطرح ان الدور الايراني، بوصفه اداة ضمن توازنات الصراع، يسعى الى استثمار هيمنة حزب الله قبالة اسرائيل على البحر المتوسط في لبنان وسوريا، اضافة الى تموضع الحوثيين على حافة البحر الاحمر قبالة السعودية، وميليشيات العراق، بما يشكل ضغطا متعدد الاتجاهات على السعودية برا وبحرا.

خاتمة

ان اول الخطأ قبل 2003 كان زلة الكويت، واول الغيث بعد 2003 ظن البعض انه قطرة للجميع، ثم انكشفت الحقائق لتجرف الجميع، عربيا واقليميا، في حصاد ثقيل دفع ثمنه الجميع دون استثناء. ومع ذلك تبقى الحاجة ملحة لطي صفحة الماضي والتوجه نحو روح جديدة من الحكمة والحوار، تعيد للامة توازنها.

ان ما يحدث لا يختزل في تفاؤل ولا يحسم بتشاؤم؛ بل يستقر في «الحالة التشاؤلية» حيث يتعايش الصراع مع الردع والتهديد مع الضبط، دون حرب شاملة او سلام حقيقي. انها حالة «اللا حرب واللا سلم» التي تبقي العراق والامة ساحة بلا تأثير، وتضع دول الخليج بين القلق والردع، وتبقي ايران تحت الضغط دون حسم، في توازن هش تدار فيه الازمات بدلا من ان تحل.

1) https://algardenia.com/maqalat/41051-2019-07-31-11-34-38.html 

2) https://www.algardenia.com/maqalat/41127-2019-08-06-18-43-36.html

3) الگاردينيا – مجلة ثقافية عامة – الحرب المحتملة والسلام المستحيل لدول الخليج!- ج/الاخير

زر الذهاب إلى الأعلى